• ×

08:47 مساءً , الخميس 9 يوليو 2020

القوالب التكميلية للمقالات





مملكة الهرابذة (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
استعرضت في المقال السابق لمَ لم يستسلم كهنة فارس ولا نخبها للفتح الإسلامي، وراحوا يقاومون انتشار الإسلام بقوة، وحاكوا المؤامرات الشديدة من أجل إسقاط الدولة الناشئة، ظنًا منهم أن إسقاط الدولة يعني بالضرورة انهيار الإسلام، واندثاره، لكن محاولاتهم فشلت جميعها في ساحات القتال، وميادين الاغتيالات.
رفضت تلك النخب الدينية والسياسية الانصهار في بوتقة الإسلام، لأن فكرهم كان قائمًا على استعباد الأمم الأخرى، ومن هذا المنطلق رفضوا الانخراط في الدولة الإسلامية، حيث ظنوا أنهم السادة ولابد أن يبقوا سادة لا عبيدًا، وكيف لهم أن يتحولوا عبيدًا للسادة الجدد الذين كانوا بالأمس عبيدًا لهم.
كانت هذه هي الفكرة المهيمنة على تفكيرهم، السيد والعبد، فالحياة والبشر في نظرهم قسمان، القسم الأول السادة وهم أبناء الإمبراطورية الفارسية، والقسم الآخر العبيد، وهم بقية الأمم التي تخضع لسلطان فارس. ثنائية فكرية بُنيت عليها كل الإمبراطوريات الغاصبة للبلدان والممالك حتى يومنا هذا، صراع دائم بين الإنسانية واللإنسانية، بين الحق والباطل.
وتطور الكيد للإسلام ودولته الناشئة، واتخذ أساليب متعددة ومتنوعة، تقتضيها ظروف المرحلة التي تمر بها الدولة، وكذلك الهزائم التي تمنى بها تلك المحاولات المجوسية.
الخذلان والتقسيم
كان عبد الله بن سبأ وجماعته - كما تذكر بعض كتب التاريخ - يعبثون في الدولة الإسلامية بأفكارهم الهدامة، محاولين أن يبثوا الفتنة ويؤسسوا لها، لكن التساؤل المهم، لمَ كان الاسم عبد الله بن سبأ؟، ولمَ كان يمنيًأ؟ إن للاسم دلالة مهمة، فسبأ مملكة معروفة من ممالك اليمن الشهيرة، فهم بهذا يضفون على دعوته صفتين، الأولى صفة القداسة والحضارة ، والثانية، إحياءً لنزعات الصراع القديم بين الشمال والجنوب، لقد كان سعيهم متعددًا متنوعًا يسعى لتحقيق المكاسب والنجاحات عبر تأجيج أكثر من صراع داخل الدولة الإسلامية، علهم في النهاية ينجحون بتقسيم الدولة إلى شطرين ومن ثم الاستقلال بالشطر الأقرب لحاضرتهم القديمة المدائن، ومن ثم الانقضاض على بقية الدولة الإسلامية. هذه المحاولات كان لابد لها من سعي دؤوب، وتخطيط طويل المدى، فالأمر بات بالنسبة لهم غاية في الصعوبة، لكن اليأس لم يدب فيهم، وساقت لهم الأحداث التاريخية التي حدثت للدولة الإسلامية -كانوا ضالعين في جزء منها - السبيل لتحقيق فكرة التقسيم، وحدث ما حدث من نزاع بين سيدنا علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ومال أهل العراق إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واندس السبئيون بينهم، وشاركوا في جيشه بنصيب كبير، شكل وسيلة ضغط كبيرة على سيدنا علي، بل دفعوه دفعًا لقبول التحكيم في صفين، ثم ما لبثوا أن انقلبوا عليه، واتهموه بالتخاذل، وطلبوا منه رفض التحكيم مرة أخرى، وكانوا على علم بأن سيدنا علي بن أبي طالب الذي قبل طلبهم مرغمًا بعد تهديده بالقتل، لن يقبل الرجوع في كلمته وفي قبوله للتحكيم، فانصرفوا عنه.
كانت خطتهم تدعم بقاء النزاع دون نصر حقيقي فاصل لأحد الطرفين على الآخر، حتى تعم الفوضى وتنتشر الفتن، ويعود سيدنا علي مرة أخرى لعاصمته الجديدة الكوفة، لتبدأ الحلقة الجديدة من الانقضاض الممنهج على الحكم، لكن بقاء سيدنا علي رضي الله عنه على قيد الحياة، ومعه أطراف النزاع الأخرى تعوق النجاح وتأخر تحقيق الهدف المنشود؛ فكانت فكرة الاغتيال مطروحة للتنفيذ المنظم للخلاص من كل أطراف النزاع، وعقب الخلاص تنقض القوى المجوسية على الحكم وتعيد مجدها الكسروي الزائل. ودبروا للاغتيالات ولم ينجح سوى اغتيال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفشلت المحاولات الأخرى، وتراجع مع الفشل الحلم الفارسي لإشعال الفوضى الخلاقة، التي من خلالها يعاد ترتيب الوضع في الدولة الإسلامية وفق رؤاهم وإعادة الوضع القديم إمبراطورية فارس.
صناعة الضحية
اُستشهد سيدنا علي بن أبي طالب وتغيرت الأوضاع في الدولة الإسلامية، وآل الحكم كليًا لبني أمية، ومن هنا بدأت فكرة صناعة الضحية، خذلوه وقتلوه ثم بكوا عليه، وأعلنوا أنهم أصحاب الحق في الثأر له، وأعلنوا أنهم شيعته، وحماة أبنائه، وراحوا يبثون سمومهم في كل مكان، حتى يشتد القتل والتنكيل والصراعات، وخرج سيدنا الحسين رضي الله عنه بدعوة من أهل العراقمتوجهًا للكوفة، حيث جنده وعدته وعتاده، ينتظرونه لنصرته، لكنها كانت الخديعة الكبرى، ما أن اقترب رضي الله عنه منهم حتى خذلوه، وتركوه يواجه المصير المحتوم، أمام جيش مكتمل، وانتهى الصراع باستشهاد سيدنا الحسين رضي الله عنه، وكانت الطامة الكبرى، حيث أصبح دمه لعنة كبرى تطارد كل من شارك في قتله، أو حرَّض ضده حتى يوم القيامة.
"قلوبهم ليست معك ولا سيوفهم" أصدق تعبير يوصف به من أعلنوا أنهم شيعة الحسين ثم خذلوه وتركوه، بل إنني أزعم أن من حرَّض على قتله من جيش يزيد كان من هؤلاء المندسين من المتآمرين من المجوس ليؤججوا النيران المشتعلة في الدولة الإسلامية.
وهنا لا أبرأ ساحة يزيد بن معاوية، فكل حاكم مسئول عن توجهاته ورجاله وقائدته الذين يحملون السلاح باسمه، لكن التساؤل المهم من الذي قتل سيدنا الحسين، طالما أن بعض كتب التاريخ تذكر أن يزيد بكى لمقتله، وأنكر أنه أمر بقتله.
تذكر كتب التاريخ أن شمر بن ذي الجوشن هو من قتل سيدنا الحسني وجز رأسه، ولنا وقفة أمام هذا الرجل، فلقد كان نصيرًا لسيدنا علي رضي الله عنه، وحارب معه في صفين، ثم انقلب عليه وحاربه في معركة النهروان، وانضم للأمويين وحارب معهم سيدنا الحسين، ألا تستحق هذه الأحداث وقفة متأنية، لقراءة الحدث التاريخي كما ينبغي، مع قراءة عميقة للنوايا والنتائج، إنني أكاد أُجزم أن هذا الرجل كان متآمرًا منذ البداية وكان جاسوسًا يسعى للوقيعة بين المسلمين، بل مكلفًا بمهمة عظيمة لنشر الفوضى والنيل من الإسلام، إنني أزعم أن هذا الرجل كان يدًا قوية في فكرة صناعة الضحية، التآمر على قتل سيدنا علي ومن بعده سيدنا الحسين رضي الله عنهما، ثم التباكي عليهما، وإعلان التشيع لهما فكرًا ومنهجًا، كل هذا كان يُصنع في معابد المجوس مستغلين الدماء الزكية والأرواح الطاهرة التي أزهقت لتكون عباءة لهم يخفون خلفها نواياهم القبيحة، وتحقق لهم ما أرادوا، وصنعوا الضحية المقدسة، الضحية التي ستصير أيقونة مكرهم وخديعتهم.
وحتى تكتمل أركان الصناعة، كان عليهم إيجاد من يلصقون به التهم، ويعلنونأنهم سبب البلاء للأمة الإسلامية، ووقع اختيارهم على سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي اللهم عنهما ليتطاولوا عليهم ويكفروهم. لكن لم وقع الاختيار عليهما؟، لقد وقع الاختيار عليهما ليصيرا من وجهة نظرهم الخبيثة سبب البلاء للأمة، لأن هذين العظيمين هما من أسقطا الامبراطورية الفارسية، وفتحوا المدائن وحولوها لمدينة إسلامية، فوجب الانتقام منهما بالتشهير والتطاول، ومعهما وحتى تكتمل الحيلة تطاولوا على سيدتنا عائشة رضي الله عنها، بحجة أنها حاربت الإمام علي رضي الله عنه، وسعت في منعه من الوصول لحقه في الخلافة والولاية المقدسة – من وجهة نظر الشيعة المجوس-
لقد حاكوا المؤامرات بدقة واقتدار، ووظفوا فكرة صناعة الضحية المقدسة لخدمة مصالحهم، وسعيهم الدؤوب من أجل النيل من الإسلام والمسلمين، عبر محاربتهم، والإيقاع بهم، ونشر الفوضى واستباحة دمائهم، إنهم ينطلقون من منطلق قومي وعقيدة أيدلوجية، تسعى لإعادة الإمبراطورية الفارسية، ونشر الفكر الزرادشتي من جديد، وفي المقالات القادمة سنستعرض كيف سعوا لتعميق وتأكيد فكرة الضحية المقدسة.


 1  0  1598
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    04-25-2015 12:45 صباحًا د محمود السلامي :
    ما شاء الله فكر راقومنطق مقنع يلفت النظر إلى دقائق تاريخية*