• ×

11:05 صباحًا , الجمعة 25 سبتمبر 2020

القوالب التكميلية للمقالات





الذئب والنعجة - 1

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تعتبر سلوكيات الأفراد وطبيعة علاقاتهم ببعضهم مؤشر جلي للمنظومة القيمية لأي مجتمع. وقد جسّد عصر رسول الله مثالاً لسُلّم قِيَمي مُتحضِّر قائم على براءة الأفراد في الأصل ،وحسن الظن بالآخر، ونُظِّمتْ من خلاله العلاقة بين الرجال والنساء تحت قاعدة "إنما النساء شقائق الرجال". ولو نظرنا لمجتمعاتنا قبل نصف قرن لوجدنا ذلك جلياً أيضاً، فالرجولة والشهامة سمات في أغلب الرجال، وللمرأة بينهم شأن عظيم فلا يمكن المساس بها أو الاعتداء عليها فهم "أخوة".

إذن ما الذي تغير في مجتمعاتنا اليوم حتى يصبح سوء الظن من أعلى القيم؟ وحتى يُعمَّم على كل الرجال بأنهم ذئاب بشرية، والمرأة ضعيفة كـ"النعجة"، في طرح مستمر تجاوز الخمسة وعشرين عاماً لفكرة تحمل في طياتها الكثير من التجنّي على الرجال أولاً و"شقيقاتهم" من النساء ثانياً.

أجزم أن أطروحة "الذئب والنعجة" نتَجتْ من اجتهادات بغرض نزيه يهدف لحماية الأعراض من خطر قلة شاذة في المجتمع، لكن هذا التركيز أدى إلى آثار سلبية أكبر ينبغي الالتفات لها ومعالجتها. فالقيم الإسلامية العربية الأصيلة القائمة على حسن الظن والتعامل برجولة وشهامة مع المرأة بدأت تضمحل وتحولت إلى خوف من كلا الطرفين السوييّن على أنفسهم وسمعتهم فيما لو أُسِيء بهم الظن من مجتمعٍ حدّي لا يرحم من يخالف طرحه.

لستُ ضد التوعية بالقلة المؤذية ولستُ قطعاً مع علاقات محرمة شرعاً، ولكنني ضد التعميم على كل الرجال بأنهم ذئاب يتربصون بالنساء بمجرد خروجهن من بيوتهن. و لا يمكن لعاقل أن يقتنع أن ابن العم أصبح ذئباً يتربص بابنة عمه، وأن الجار ذئبٌ يتربص ببنات جيرانه، وأن الأستاذ في الجامعة يتربص بطالباته وأن الزميل في العمل ذئب يتربص بأخواته. فالواقع غير ذلك إطلاقاً ولا زالت المجتمعات بخير لولا أننا خسرنا ثقتنا بأنفسنا وخسرنا حسن الظن بيننا!

الإشكالية الأكبر في هذه الأطروحة أن القلة الشاذة من الشباب- الذين يتربصون حتى بالذكور- أصبحوا يجدون من خلالها مُبرِّراً قوياً لسلوكياتهم القذرة! ويعتبرون هذه السلوكيات جزءاً من طبيعتهم الذكورية التي لا يجب أن تُقيّد بأي قيد طالما أن الأنثى خرجت من منزلها.

ولأنني اليوم أركز فقط على جانب "الذئب البشري" من هذه الفكرة فإنني أناشد "أشقاءنا " الرجال بتصحيحٍ فكري لهذا الطرح، وأن يؤكدوا في مجالسهم وحواراتهم على أن العلاقة بين الرجل والمرأة يحكمها الدين ونظرتهم الأبية تجاه شقيقاتهم النساء، لا همجية وحيوانية لدى شواذ بينهم.

تبقى مسؤولية المربين في تدارك النشء لإعادة المنظومة القيمية لأصلها الصحيح بمبادرات ذاتية لا تحتاج إلى قراراتٍ عليا.
فماذا لو قام المعلمون بتعليم الأولاد مبكراً أنهم ليسوا حيوانات تتربص بفريستها بل هم رجال، والرجل تأبى نفسه أن يلهث وراء حرة شريفة أو حتى فتاة رخيصة؟
ماذا لو علّموهم أن الأنثى هي أخت الولد، وأن دوره كرجل مساندتها وصيانة عرضها كشقيقاته تماماً؟
ماذا لو استمر هذا الطرح النقي بهذا التركيز طوال فترة دراسة الطالب مع الرقي بمستوى الطرح وشفافيته مع كل مرحلة؟
صدقاً أتساءل هل تتوقعون بعد هذا أن تبقى الأحكام الاجتماعية والأخلاقية منحرفة عن مسارها؟!

أما عن "النعجة " فللحديث بقية.. فكونوا بالقرب..

هيفاء خيران ..
haifa.khairan@gmail.com


 0  0  5177
التعليقات ( 0 )