• ×

07:10 صباحًا , الخميس 24 سبتمبر 2020

القوالب التكميلية للمقالات





"نعم يُحبّنا"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بعيداً عن الأطروحات الفكرية والفلسفية التي تنوعت في تناولها لمفهوم حب الله سبحانه من زوايا وأبعاد مختلفة، أحاول اليوم تسليط الضوء على تساؤل هام: "ماهي معتقداتك حيال نظرة الله إليك كفرد؟" فقط آمل هنا أن تتيح لوجدانك أولاً استشعار ما وراء السطور ولتترك للعقل الحكم بعده.

نعْرف جميعاً أننا كبشر محدودي الفكر والتصور، وأننا نقيس كل ما لا نراه على ما نستطيع إدراكه أو الإحساس به، هذا الأمر جعلنا دون وعي منا وخلال عقود مضت نتصور بعض صفات ملك الملوك سبحانه بمستوى إدراكنا عن ملوك الدنيا حين يغضب وحين يعاقب وحين يبطش، بل وحتى حين نطلبه ونرجوه ونخافه ونتذلل إليه نحن نوثّق علاقتنا به سبحانه ونطلب رضاه من خلال سلوكيات يسبق الخوف فيها الرجاء ويسبق اليأس فيها الأمل، وإن كنا نقول غير ذلك.

أذكر أني في أحد البرامج التدريبية اقتنصتُ لحظة سكوت من المتدربات لأتساءل "من تشعر أن الله راض عنها الآن ترفع يدها" لم تكن مفاجأة أن لا أحد رفع يده، بل ذهلتُ من كمّ الهول في نظرات بعضهن خوفاً عليّ حين رفعتُ يدي مبتسمة، ولسان حالهن" انتبهي"! وحقيقة لا ألوم الأفراد على هذا التصور المليء بالخوف والحذر والذعر حين يأتي الحديث عن الله وحبه لنا، فطرحنا الوعظي ولعقود إن لم يكن لمئات من السنين مضت، يدور في دائرة التوبيخ والتخويف من الله، أسرف الوعاظ والمربون في تعليمنا جلد الذات وتحقير شأنها وأننا مخطئون مسرفون على أنفسنا بالذنب لذا فالله غاضب علينا، ويجب أن نتلحف الحزن والبكاء ونطلب العفو والمغفرة بتأنيب، وليته يرضى!
كم تغنّينا ب "تعصي الإله وأنت تزعم حبه، هذا لعمري في القياس شنيع" ونراه أحد أعمدة الموروث الثقافي لدينا في علاقتنا بالله، نعم نحن لسنا معصومين ولدينا من الأخطاء مالا يعلمها إلا الله، لكن لا يحق لبشر أن ينفي عن بشر مثله حبه لله لمجرد أنه يرتكب معصية، الله خلقنا وهو يعلم أننا سنعصيه بل هذا ما يفرّقنا عن ملائكته، نعصيه فنستغفره ونتوب إليه فيتوب علينا ويرفع قدرنا لأنه "يحب التوابين" أي يحبّنا، نعم يحبّنا أنا وأنت.

يصعب علينا كأفراد "عاديين" أن نتوقع أننا المعنيين في الآيات والأحاديث التي تتناول حب الله لعباده، نشعر أننا لا نستحقها وأنها لغيرنا، هنا أزمة معرفية وجدانية كبيرة جعلت الكثير منا يعيش ممتلئاً بمشاعر التأنيب والخزي وعدم الاستحقاق، فالله سبحانه هو الأول في قلوبنا وكيف لنا أن نسعد ونحن نجزم يقيناً-كما برمجونا- أنه غير راضٍ عنا وأن محبته لنا مرتبطة بسلوكيات معينة وسُلّم صعب من المهام لا يستطيع صعوده إلا القلة في هذا الزمان.

لا أريد الإطالة هنا، لكن حريٌّ بنا أن نخلع هذا الرداء البائس ونحاول هذه المرة أن نتذوق حلاوة حب الله خلال هذا الشهر الفضيل، وأن نجرب أن تتصل أرواحنا بالغفار الودود، حباً وشوقاً ويقيناً بقربه منا وحبه لنا مهما أسرفنا-مهما أسرفنا-فقد نادانا "ياعبادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله".

استشعر من اليوم بكل تفاؤل وحسن ظن بالله أنه معك –كفرد-راض عنك ويحبك، وسيكتبك من الفائزين هذا العام بفضله ورحمته، فعلاقتك به سبحانه لا شأن لأحد بها ولا يملك أحد أن يتحدث باسمه، ليُقيّم حالنا ومآلنا. لنستشعر ذلك دون وصاية من والدين أو مجتمع أو إمام أو أي فرد يحاول تخويفنا وتحذيرنا من غضبه فنحن نعيش شهر رحمته وهو الرحمن الرحيم إلى الأبد، ولغة التخويف والتهديد هي لغة الشيطان وأتباعه، لا لغة الخالق سبحانه حين يخاطب عباده المؤمنين الخطّائين التوابين.

لأرواحكم السلام ما بين الجُمعتَين..
هيفاء خيران
Haifa.khairan@gmail.com


 4  0  6919
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    06-22-2015 04:50 مساءً أحمد بن سليمان :
    نعم..
    يحب الله عباده المتقين والمحسنين،وأخبر سبحانه بذلك،فالمؤمن يعمل الصالحات ويرجو من الله القبول والمحبة..
    لكنه من جانب آخر يتذكر ذنوبه وإسرافه على نفسه،فيخشى عذاب اللله ومقته.
    ولا يستقيم سير العبد على الصراط المستقيم إلا بالجمع بين الأمرين..
  • #2
    06-20-2015 05:02 صباحًا Sara Al Zaidi :
    مبدعه ورائعه بمعنى الكلمة ،، شكرا لك ،، دائما أقول أن الله خلقنا و يحبنا مهما حدث ،، ومهما كانت البرمجة تقول غير ذلك*
  • #3
    06-19-2015 06:27 مساءً سوما :
    .. كلمات راقيه راقت لي ... ولا ننسى أنا عند ظن عبدي بي*
    * جزاك الله كل ما تحبين غاليتنا
    ..
  • #4
    06-19-2015 05:50 مساءً Loyalty :
    مقال رائع فعلاً جا بوقته الله يجزاك الجننه.. *احساس الشخص بتأنيب الضمير على اي ذنب ..يخليه يعيش بخوف ويستصغر نفسه مهما فعل .. **