• ×

10:16 صباحًا , الجمعة 25 سبتمبر 2020

القوالب التكميلية للمقالات





العين القرمزية.!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قصتنا حدثت من قبل..
وقد تحدُثُ فيما بعد..!
لكنها حدثَت هذه المرة، لتروي قصةً مختلفة..

منذ طفولتها، سمعت قصصا كثيرة عن عين أمها القرمزية التي ورثتها عنها، لكن لم يخبرها أحد عن الرؤى التي تصاحبها.
في سواد الليل حيث الرياح لا تهمس، والشجر ساكن، والهواء ميت، يمكنها سماع صوت خطواتٍ تسير على الأرض الجافة، امرأةٌ تقف في منتصف هذه العزلة، لا تُظهر ملامحها شيئا الا شعرها الأسود الطويل الذي يغطي جسدها ويخفي وجهها، كانت تحمل مجرفةً قديمة، وبكل عنف تحفر حفرةً مظلمة، تدفع المجرفة عميقاً وتخرج ما بقلب الأرض، رغم السكون الا انها احست بمئات الأصوات تتحدث معها، تحاول الوصول اليها، ازداد المكان برودةً وفجاءة توقفت المرأة عن عملها، وببطء التفتت نحوها وعينها القرمزية تحدق بها.
(اعثري على يدي)
همست لها بصوت ضعيف، وعمّ الظلام بعدها، تكررت الرؤية امامها في منامها وأحياناً خلال يقظتها، تطلبُ منها البحث عن يدها، لكن مؤخرا زادت حدتُها، وكأن هناك وقت يكاد ينتهي يستدعيها لتستجيب، لم تعرف الكثير عن والدتها، توفيت اثناء ولادتها، ودُفنت خارج القرية، هذا المكان الصغير الذي يعيش فيه بالكاد عشرون شخصاً، تجنب الجميع اسئلتها عن والدتها وتدريجيا تجنبوها.
بعد أسبوعين ستبلغ الخامسة عشر، وستتمكن حينها من مغادرة القرية والبحث عن قبر والدتها.*
كان منزلها مشابهاً لكل المنازل الخشبية المعروفة لفقراء اليابان، في العلِية حيث خزانةٌ صغيرة تحولت الى حجرةٍ ذاتَ فراشٍ وثيابٍ قليلة تنام فيها، في الدور الأرضي لم تكن هناك الا غرفةٌ واسعة يقيم بها والدها ويتناولان فيها الطعام.
تلك الليلة رأت كابوساً رهيباً، كان والدها يركض والهلع واضحٌ على ملامحه، يصرخ مختنقاً طلباً للمساعدة*
-ساعديني! ساعديني!
صعد الى الخزانة واختبأ فيها، اغلق بابها وهو يلهث بقوة، نظر من خلال فتحة ٍصغيرة، لم يكن هناك أحد، وفجاءة تصاعد صوت خطوات على السلالم الخشبية، وبالرغم من الصوت الواضح لم يكن هناك أحد، وعلى حين غرة عثرت عليه ذات العين القرمزية!
ارتسم الروع الرهيب على وجهه ومئات الايدي تهاجمه!
اجفلت من حلمها فزعة، اسرعت تهبط الدرجات بحثا عن ابيها لتجد الطابق الأرضي قد تغطى بالسواد!
وكأنما الأرض احترقت، وتلاشت كالرماد كذلك اختفى والدها بدون أدنى أثر!
ما الذي حدث لوالدها حقا؟
من تكون تلك المرأة؟
ولم ستؤذي والدها؟
وماهي حقيقة العين القرمزية؟
مئات الأسئلة حامت في قلبها، ولا يوجد ما يمنحها الراحة.
رغم بحثها الكثيف في القرية الصغيرة الا انها عادت صفر اليدين، حينها حسمت امرها بالمغادرة بحثاً عن إجاباتٍ خارجها، وبينما كانت تُجهز حقيبةً قماشية بما تحتاجه، انتابها إحساس غريب بأن هناك من ينظر باتجاهها، رفعت راسها ببطء وإذا بوالدها يقف على السلالم، بدا مختلفا كان لونه شاحبا للغاية وغطى عينيه سواد عجيب، فقد قلبها ضربة من ضرباته وهي تحدق فيه، شعرت بالخوف عوضا عن الشوق نحوه، بقيت صامتة تحدق فيه ورأسها يصرخ بأمر واحد
(اهربي)
تراجعت خطوة للخلف بينما وقف والدها ثابتا يراقبها بعين لا ترى، خطوة أخرى ببطء وهدوء، بغتةً تعالى همس من خلفها، ارتجفت والذعر جمدها في مكانها، بحذر بدأت تلتفت للخلف وقبل ان تُكمل استدارتها رأت يداً شاحبة تمتد نحوها تحاول خنقها!
قفزت بعيداً والهلع يتملكها، ودون ان تنظر للخلف اتجهت نحو الباب تفتحه هرباً، لكن الباب لم يفتح على قريتها المعتادة، بل على عالمٍ غرق في ظلام دامس، حتى القمر كاد يختفي منه!
لا يوجد وصف مناسب لما شعرت به، كل الألوان اختفت من حولها، وبدت البيوت كأنها هُجرت منذ سنين، لم يكن هناك أثر لأي مخلوق حي، حتى الأشجار كانت ميتة بطرف عينها احست بحركة خفيفة بجوارها، ابى عقلها تصديق ما يحدث وما تراه، لذا تركت غريزة البقاء تقودها واندفعت مبتعدة عن منزلها الى البوابة الكبيرة التي تأخذها الى خارج القرية.
كان لديها وهم ٌبأن كل هذا مجردُ حلم مزعج، وستجد في طريقها بعض القرويين او حتى قطة او جندباً، لكن الأرض ظلت ساكنةً الا من صوت خطواتها وهي تركض على الأرض اليابسة، كان المكان يشتد ظلمةً، كأن ظلاً عملاقاً يبتلع كل المحيط خلفها، وكان ما يوجهها هو حفظها لطرق القرية.
البيوت الخشبية أضحت متهالكة أكثر وأكثر، نوافذها حُطمت وابوابها كُسرت، من فعل هذا؟ ومتى؟*
ما الذي يحصل هنا؟
بدأ الخوف يتمكن من وعيها، وأصبحت تُصغي لهمساتٍ لا تعلم حقيقتها، لكن من بين كل هذه الأصوات هتف أحدها بوضوح
(لا تذهبي الى هناك!)
توقفت وانفاسها تتلاحق، التفتت الى الخلف حيث العتمة تظلل كل شيء، لا أحد خلفها لكن في اخر الطريق، يمكنها ان ترى بوضوح، هيئة امرأة بشعر اسود طويل تحدق بها من خلال عينٍ قرمزية.
لم يترك لها الرعب أي طريق للتفكير، صرخات متتابعة غادرت قلبها وهي تتعثر وتركض نحو البوابة، اضطربت الرؤية امام عينيها وشعرت ان وعيها بدأ ينسل منها، صفير حاد غشى اذنيها، صوت همسات وأجراس.. وبكاء
أدركت ان دموعها تتناثر حولها، وجسدها يتشنج من هول ما رأت، لكن البٌكاء كان قادماً خلفها، تعالى الصوت وتعالى حتى اضحى ضحكاتٍ هستيرية تلحق بها!*
لم تعد ساقاها تقوى على حملها وخذلتها أخيرا لتتركها تتهاوى على الارض بالقرب من البوابة الحمراء الضخمة!
طريقها للخروج يبعد بضع خطوات فحسب! أطلقت صرخة اليمة تعبر عن يأسها وهي تزحف وتغرز اظافرها على الأرض لتحث جسدها المتهالك للهرب من هذا الهلاك، الان كانت واثقة أن كل ما تراه وتسمعه حقيقة، والكيان الغامض يسعى لهلاكها، ارتفع نحيبها وهي تستشعر دنو نهايتها، فجاءة وكأنما سهمٌ حاد من الضياء اخترق وعيها، صدى واضح تردد في قلبها
(اعثري على يدي)
مدت يدها الجريحة عاليا وهي تهتف:
-خذي بيدي!!
عم ّالصمت المكان، وفجاءة امتدت يدٌ من العدم امسكت بيدها، رفعت بصرها فإذا بالمرأة ذات العين القرمزية تبادلها النظرات!
لكنها ذات كيان مختلف، وجهها كان مضاء بالقمر مغمورا بالعطف والجمال، وجه تحفظ تقاسيمه المرسومة على وجهها
تمتمت غير مصدقة
-اُمي
انحنت نحوها برقة هامسة
-سأخُرجك يا صغيرتي.
لم تعرف كيف سارت معها، هل حلقت في الهواء؟ ام أنها حُملت للخارج؟
كل ما رأته هو شعرها الأسود الحريري يتقدمها ويدها الشفافة الدافئة تقودها للخارج.
ما إن تجاوزت البوابة حتى أصبح الهواء أخف وازدان العالم بالألوان، التفتت مرتجفةً نحو الخلف، كانت والدتها تقف على حدود البوابة تنظر نحوها بنظرة مليئة بالحنان والشفقة، والقريةُ خلفها تُطمس في ظلامٍ دامس.
مدت يدها نحوها وهي تهتف:
-خذي يدي يا أمي، غادري معي!
لكن والدتها هزت راسها برفق نفيا وابتسامة ٌحزينة تطفو على شفتيها
-لقد قمت بما يجب علي فعله، انقاذك كان كل ما سعيت لأجله، غادري يا ابنتي، اهربي ولا تنظري للخلف ابداً.
وما إن انهت كلماتها حتى ابتلعها الظلام واختفت مع القرية للأبد.
صرخت ودموع الحسرة والفقد تنهمر على وجنتيها، ظلت مكانها تبكي لساعاتٍ والالم يمزق فؤادها، وأخيراً غادرت بحثا عن الأمان في أقرب مكانٍ مأهول.
بعد سنوات طويلة حاولت البحث عن حقيقة ما حصل، لم تتيقن من أي قصة، لكنها عرفت ان والدها قد جُن في ليلةٍ مقمرة وقام بقتل والدتها مع العشرات من اهل القرية ولم يُبقي الا على القليل من اتباعه وطفلته المولودة حديثاً، كان مسحورا بطقوس عجيبة منحته ُوهم الخلود، وعند بلوغها الخامسة عشر كانت ستلاقي ذات المصير، اما القرية فقد احترقت كاملةً بقاطنيها دون أي تفسيٍر يُذكر حتى استحال إعادة إعمارها.
لم تعرف يوماً إن كانت تلك الرؤية صادقة، او ما حصل لوالدها كان حقيقةً، او ربما كان مجرد صدمة تكونت إثر محاولة قتلها.
لكن بداخلها، ارادت تصديق ان والدتها قد نجت وحاولت إنقاذها، ويوماً ما قد تعثرُ عليها وتأخذ بيدها، وهذه المرة لن تتركها ابداً.

تمت بحمد الله وتوفيقه.
مروة بخاري.
أديبة وكاتبة قصصية..
‏‫‪@Marwaoaishahr‬‬
‏princess_maxy@yahoo.com*
*

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها فقط.


 1  0  4153
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-10-2017 01:16 صباحًا Fatima maswadi :
    قصة جميلة وفي منتهى الروعة انت كاتبه متمرسة وانا من نعجبيك فلك تحياتي
    • #1 - 1
      10-10-2017 09:51 صباحًا marwa :
      يشرفني و يسغدني رايك الرائع استاذتي الفاضلة
      لكن متي كل الاحترام و التقدير و الاعجاب