• ×

06:42 مساءً , الخميس 16 يوليو 2020

القوالب التكميلية للمقالات





جماعة الفجر الذهبي.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط



دلفت إلى قاعة المحاضرات في جامعة "نيفادا"، يشغل بالي ما قاله لي بالأمس.
كان ما قاله أمرا يدعو للقلق.
سرت بين الممرات، رأيته يجلس في جوار مكاني الخالي، فتجاوزته إلى آخر القاعة، وجلست وحدي.
"لا بد أنه ينتظرني ليكمل لي حديث الأمس".
لم أستطع الإصغاء للمحاضر، فكل جوارحي كانت معه، مستفزة منه.
عرفته منذ سنة تقريباً، أتى من "إسبانيا"، والتحق بنفس الجامعة التي أدرس بها، وحتى شهر مضى لم يكن سوى زميل، لا أكثر، ولا أقل، قبل أن يأخذ في التقرب إليّ، من خلال التحدث معي عن الأدب العالمي الذي أحبه، خصوصا روايات "شكسبير"، ورغم إنه وصف مسرحية "تاجر البندقية" بأنها أكبر غلطة في تاريخ الأدب، قديمه وحديثه، إلا أنني لم أفكر في عدم مجالسته مرة أخرى إلا عندما قال ما قاله بالأمس.
ألمحه، الآن، وهو يسترق النظر إليَّ، فأصطنع الانتباه للمحاضر.

- "فادي".. هل أنت غاضب مني؟
- لا.
حوار من جملتين، بدأ وانتهى في فناء الجامعة وأنا أعبره مهرولا مغادرا إياها، لكنه أصر على ملاحقتي، لم أتوقف، فدس في يدي ورقة مطوية، وعندما هممت بقذفها بعيدا عني، قبض على يدي، وهمس برجاء:
ـ لن تخسر شيئا.. اقرأها.. فقط لا تفتحها إلا في المنزل.

تذكرت أنه يجب مهاتفة أمي الآن، طلبت الرقم، فأتاني صوتها مصحوباً بنفحات من الحنين:
- أهلا ولدي.. كيف حالك؟.. اشتقت إليك.
- أنا بخير.. وقد اشتقت لك أيضاً.
- لماذا أنت مستيقظ في هذا الوقت؟ هل صليت الفجر؟
- لا يا أمي نحن في "أمريكا".. الآن وقت العصر.. لا الفجر مثلما هو عندكم.
فارق التوقيت أرعبها، فقد لمست ذلك في صوتها، يبدو أن البعد الزمني أقسى على الروح من البعد المكاني.

سِرت في شوارع "لاس فيغاس"، تطل علىّ البنايات الشاهقة من كل جانب، تقتل كل جمال في نفسي، أسير في غربتي غير مكترث بمسمَّيات الشوارع، ولا أرقام الأحياء.
أحياناً أفكر في أن أنسج لنفسي ذكريات ما، فربما أشفقت هذه الغربة عليّ.
توجهت إلى شقتي الواقعة في شارع "فريمونت"، ارتميت على السرير ووقع صوت أمي يسري في عروقي، بينما أخذت تجتاحني التفاصيل، تفاصيل الأمل في مدينة الخطيئة.
امتدَّت يدي إلى جيب القميص، وأخرجت الورقة التي أعطانيها "إخوان أليكس"، ورقة صغيرة مطوية بشكل منتظم، أخذت أفتحها على مهل، يعتريني إحساس خائف.
"جماعة الفجر الذهبي".
لم يكن مكتوبا في الورقة سوى هذه الكلمات الثلاث، كلمات ملغزة زادت من قلقي وخوفي، ماذا تعني هذه الكلمات؟!
حدقت في الورقة، حاولت الوصول إلى مغزاها، كانت مستغلقة تماما، عصية على الفهم، لكن فكرة عبقرية استطاعت أن تجد طريقها إلى عقلي بين كل هذا الركام من التشويش.
اعتدلت، فعلت جهازي المحمول، وكتبت في محرك البحث: "جماعة الفجر الذهبي".
نتيجة البحث: "جماعة الفجر الذهبي".. جماعة سرية، تابعة للماسونية، تهتم بالسحر، انتهى نشاطها عام ١٩٧٠م.
دبَّ الرعب في قلبي.
"إخوان" ماسوني؟!
ماذا يريد مني؟!
"لاس فيجاس" مدينة بَنَتَهَا عصابات الشر، تحتضن الخطيئة منذ أن قتلت الصحراء. وليس مستبعدا أن أصير هدفا لإحدى الجماعات الغامضة المنتشرة فيها.
لكن "جوجل" يقول إن "الفجر الذهبي" هذه لم يعد لها وجود!
ماذا أفعل؟!
كيف أهرب من "إخوان" هذا؟ حتى لا يمكنني بسبب نقص معدلي ترك هذه الجامعة في "لاس فيجاس" والتقدم للاتحاق بإحدى جامعات "شيكاغو".
في لحظه شجاعة، استولدها اليأس، قررت أن أتخلص من هذا الكابوس بمواجهة "إخوان".
لا مفر من المواجهة.

في قاعة المحاضرات، كان هناك، بجوار المقعد الشاغر مني!
لماذا دائما المقعد الوحيد الشاغر يكون بجوار "إخوان"؟!
جلست بجواره، وبدون أي مقدمات قلت:
ـ ماذا تريد مني؟
ابتسم ابتسامة بلهاء قبل أن يجيب:
ـ لا شيء.
ـ "إخوان".. لا تلعب معي هذه اللعبة القذرة.. قل ماذا تريد.. وإلا سأفضح أمرك أيها الماسوني!
ارتبكت عيناه، وهمس:
ـ اهدأ.. اهدأ.. سأقول لك كل شيء.. لكن ليس هنا.. ما رأيك لو تناولنا العشاء معاً هذه الليلة؟
كان لا بد من أن أقتل هواجسي، وأنهي هذا الأمر، فوافقت على مضض.

ما إن أخذ الجرسون "الطلب " وذهب لتلبيته حتي بادرني "إخوان" بالكلام:
ـ سأدخل في صلب الموضوع بدون مقدمات.. كنت قد أخبرتني أن لك صديقاً توفي قبل مجيئك لأمريكا.. أتذكر؟
ـ نعم.. أذكر؟ لكن ما علاقة....
قاطعني هامسا:
ـ لا تستعجل الأمور.. دعني أوضح لك.
صمت فترة مرت كدهر، بدا فيها تائها بين أي مداخل الكلام يمر عبرها إلى عقلي، قبل أن يقول:
- هل تحب محادثة صديقك؟ ألا تحب أن تراه؟
ـ أي صديق؟!
ابتسم ابتسامة صفراء، ابتسامة شخص يدور في فلك موضوع حساس، أي هفوة قد تتسبب في خسارة مسعاه، قال هامسا:
ـ صديقك الذي مات قبل مجيئك إلى "أمريكا".
لم أكن أتخيل أن الجنون يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة في "أمريكا"، بلاد العلم مرتع لأفكار الخزعبلات! مرحى مرحى.
- هل جننت "إخوان"؟!
- ما الذي قلته لك يا "فادي" يجعلك تنعتني بالجنون؟!
ـ كل ما تقوله الآن جنون.. جماعة الفجر الذهبي.. محادثة صديقي المتوفى.. الأموات لا يحادثون الأحياء.. ولا يمكن للأحياء أن يروا الأموات مرة أخرى!
بدت ابتسامته هذه المرة مرعبة، ابتسامة ميتة، وقال:
ـ لن تخسر شيئاً إذا أتيت معي في الغد.. ورأيت بعينيك صديقك حيا.
للحظة داهمني شعور بأن هذا الأوروبي يمارس سخافة ما ضد ما يعتقده إنسان عربي متخلف، فعقلي يرفض تماما إمكانية أن توجد مثل هذه الأفكار في الغرب المتقدم للغاية، الذي يؤمن للنهاية بمادية الحقائق ويشكك في روحانياتها.
ـ "إخوان".. دعني من تخاريفك هذه.. لقد جئت الليلة لتقدم لي تفسيرا بخصوص الورقة التي دسستها في يدي أمس.. جماعة الفجر الذهبي!
- بإمكانك أن تعرف كل شئ غدا.
قبل أن أفتح فمي مرة أخرى، كان قد دس في يدي ورقة ثانية! وقبل أن أتخذ أي رد فعل كان قد غادر المكان.
نظرت إلى السطر المكتوب، إنه مجرد عنوان، "شارع الستريب.. البناية ١٨.. الطابق ٢٩".

نهضت متثاقلاً، روحي ضيقة، والنهار غريب، استقللت تاكسيا:
ـ لو سمحت.. شارع "الستريب".
كانت البناية ١٨ شاهقة الارتفاع، زيِّن مدخلها الفخم بورود بنفسجية. توجهت نحو المصعد، وضغطت على زر الطابق التاسع والعشرين، ومع سرعة المصعد تسبب ارتباكي في خفقان شديد تحت أضلعي.
عندما توقف المصعد في الطابق المقصود كنت أتصبب عرقا، وأخذت أنظر إلى الأبواب الموصدة، أي منها هو باب شقة الألغاز المخيفة؟
لم أكن قد اهتديت بعد عندما فتح باب المصعد لتخرج منه فتاة غريبة الشكل، ملونة الوجه كمهرج، نحيفة كالأشباح، تبدو في العقد الثالث من عمرها، تتدلى من أذنيها مجموعة من الأقراط يشبه كل منها أحد الطواطم الإفريقية.
شئ في نفسي أخبرني أنه لا بد من علاقة ما بين هذه الفتاة غريبة الشكل وجماعة الفجر الذهبي.
تابعتها بنظراتي وهي تتجه برشاقة إلى أحد الأبواب، وتضغط زر الجرس، وسمعتها تقول:
ـ أنا "مونيكا".. أتيت بناءً على الدعوة التي وجهت لي أمس".
بعد ثوانٍ فتح الباب، كانت هناك عتمة بالداخل، اخترقتها الفتاة قبل أن يعود الباب إلى الانغلاق، الوضع غير مريح بالمرة، وفكرت جديا في العودة إلى من حيث أتيت.
لكن العودة لن تحل المشكلة النفسية التي وضعني "إخوان" فيها.

ـ أنا "فادي سالم".. أتيت بناءً على الدعوة التي وجهت لي أمس".
فُتح الباب، كان "إخوان" في استقبالي وقد ارتسمت على محياه ابتسامة نصر، عانقني عناقا سريعا قبل أن يقول:
ـ اتبعني.
الأنوار خافتة جدا، تقدمني في ممر ضيق، انتهى إلى قاعة اجتماعات واسعة، منصة والعديد من الكراسي صفت بمواجهتها، جلس عليها أناس غريبو الشكل تماما، بدت وجوههم مطلية بالزيوت من فرط لمعانها.
أجلسني "إخوان" بجوار "مونيكا"، لحظات وارتفع رنين جرس صغير، صعد إثره، إلى المنصة، رجل في الستين من عمره، له لحية كثيفة، بدت ثقيلة إلى الحد الذي لا يمكنه من رفع رأسه تماما.
بدأ الحديث معلنا عن بدأ الاجتماع السنوي، ثم قال:
ـ نرحب بالرفيقة الجديدة "مونيكا"..
ثم نظر باتجاهي مستدركا:
ـ كما نرحب بالرفيق الجديد "فادي"..
دب الرعب في قلبي، رفيق جديد! هل صرت عضوا في جماعة مشبوهة بهذه السهولة؟! وكأنه قرأ سؤالي وهو يتخبط في مخيلتي، فأجاب بصوت بارد، حاد، قاطع:
ـ من حضر هنا اليوم هو عضو في جماعة الفجر الذهبي، وسنتكفل بحمايته، ونحل له بعض المشاكل التي قد تقابله في حياته ويتعسر عليه حلها بمفرده، كما سنكشف له عن العالم الآخر الذي يخشاه الجميع لمجرد أنه لا معلومات حقيقية يمتلكونها عن هذا العالم، في المقابل، لا تريد جماعة الفجر الذهبي من أعضائها إلا الإخلاص، وكتم الأسرار.
واخشوشن صوته وهو يواصل:
ـ الموت مصير من يكشف شيئا من أسرارنا.
"يا إلهي! أنا في ورطة".
التفت إلى "مونيكا":
ـ بالتأكيد أتيت يا آنستي لتحادثي والدتك.
ـ نعم.
ـ إذاً تفضلي بالذهاب في رفقة "ميشيل".. سيتولى الأمر جيدا.
تقدمت ناحية شاب طويل، يقف مقطبا جبينه أمام باب إحدى القاعات الجانبية، جاء صوت الرجل العجوز ليعيد انتباهي إليه:
ـ أما أنت يا سيد "فادي" فقد جئت للتحدث مع صديقك.
قبل أن أهتف قائلا: "أنا لم آت لمشاهدة خزعبلات.. أو للتحدث مع موتى"، كان "إخوان" قد جذبني من يدي لأمشي خلفه إلى قاعة مجاورة للقاعة التى دخلتها "مونيكا" منذ قليل.

لم أعرف مدى اتساع القاعة التي أدخلني "إخوان" إياها، فالظلام كان سيد الموقف، وثمة ثقل مهول شعرت به يضغط ضلوعي، كان الصمت ساطعا درجة أن خطوات "إخوان"، الذي يضع قدميه في حذاء كوتشي خفيف، كانت مسموعة بوضوح.
الغريب أن فزعي بدأ يضمحل، وأحسست أن كل ما يجري مضحك جدا، فما الذي سبب لي كل هذه الربكة منذ البداية؟! هل كان العالم سينهار لو أنني لم آخذ كلام "إخوان" عن جماعة الفجر الذهبي على محمل الجد؟! التقاليع في هذه البلاد كثيرة ومتنوعة تنوع ثقافات كل الشعوب التي تحيا على أرضها! وهذه الجماعة مجرد تقليعة من مئات التقاليع الموجودة هنا، وبالتأكيد سيقدم لى "إخوان" الآن مزحة ما، وعلى ان أتقبلها بما يليق بها، مجرد ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتين واعيتين بأن كل ما يجري مجرد أكذوبة.

لقد شممت رائحته! رائحة صديقي المتوفي، قبل أن أسمع نحنحته التي يطلقها، عادة، قبل كلامه، ثم هالة من ضوء فوسفوري شاحب تبزغ من أحد الأركان.
المباغتة كاملة حد انتصاب كل شعرة في جسدي.
فجأة انفلت الخوف يضرب كل مفاصلي، وللحظة خبط السؤال عقلي: لماذا نخاف عودة الأحباء من موتهم؟!
صرخت: "إخوان".. أوقف هذه المهزلة.. أرجوك.
شعرت بيد "إخوان" وقد نشبت أصابعها في ترقوتي، وسمعته يهمس بإلحاح: أنا من يرجوك أن تصمت تماما.. دع صديقك يرحب بك.. وإلا سينفر ولن تراه مرة اخرى.
ها هو وجه صديقي يبدو بأدق تفاصيله، لكن دمه لا يجري فيه بحيوية، لقد بدا وجها شمعيا.
صرخت وأنا أقف كرقبة أفعى مستنفرة: "إخوان".. أخرجني من هنا.
وضربت المقعد بقدمي.

عندما كنا نلتقي سويا في قريتنا الصحراوية، كنا ناتي من نفس الاتجاه، اتجاه الحياة، ونمضي إلى نفس الاتجاه، لكن في "لاس فيجاس" صديقي قادم من زاوية مجهولة لي، زاوية الموت، وسيتجه إليها، بينما أنا هنا تحت السماء الصافية.
في واقع الأمر لم نعد صديقين.
ربما أنا و"إخوان" كذلك!


 0  0  4772
التعليقات ( 0 )