• ×

06:49 مساءً , الخميس 16 يوليو 2020

القوالب التكميلية للمقالات





"عبادة براجماتية"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لا شك أننا كمسلمين نشعر بالاعتزاز كوننا اعتنقنا هذا الدين العظيم، فمن يتتبع أوامر الله ونواهيه يظهر له حرص الاسلام على تحقيق الاتزان بين احتياجات الفرد والمجتمع، ومصالح الدين والدنيا، وبين حاجات الجسد والفكر والنفس لتكامل الذات الإنسانية والارتقاء بها.

لا أعتقد أننا سنختلف في كل ما سبق، وحتماً لن نختلف في عظمة حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وأنه أصلٌ عظيم من أصول الدين، ونتفق جميعاً أيضاً أن العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، وأننا نتعبد إلى الله بها طلباً لمرضاته فقط بغض النظر عما تحققه لنا من منافع أو زخرف الحياة الدنيا.

لكنني أدعو القارئ الكريم أن يُعْمل عقله الذي خصه الله به دون سائر مخلوقاته، ويتفكر معي في ظاهرة انتشرت حتى بين الحريصين جداً على التقوى والاستقامة، وهي التركيز على أن نتعبد الله بهدف تحقيق منفعة دنيوية بحتة، وحتى تكون الفكرة أكثر وضوحا سأعرضها في نقاط متسلسلة:

-من أكثر النصائح التي تُوجّه للمكروب أن يلزم الاستغفار، وبدأ الكثير من الناس يحكي تجاربه صراحة من أنه لزم الاستغفار عدداً من آلاف المرات ليس لأنه استيقظ يوماً من غفلته وتذكّر أخطائه وتقصيره وبعده عن الله، بل لأنه يريد المال أو الولد أو تفريج كربة دنيوية تتعاظم أو تتصاغر من فرد لآخر، ثم تحقق مطلبه، أهكذا تكون النوايا؟ أهذه هي غاية الاستغفار؟ نعم وعدنا الله في كتابه " ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا" لكنها أتت كمكافأة دنيوية من الوهاب سبحانه، لا تعني أبداً أن تكون غاية بحد ذاتها.

-نوقن جميعاً بمصداقية وعده سبحانه " لئن شكرتم لأزيدنكم" ولكن هل يعني ذلك أن نشكر الله على النعم طمعاً في زيادتها لا امتناناً له سبحانه؟ هل هذه هي غاية الشكر؟وهل "داووا مرضاكم بالصدقة" تعني أن نتصدق لأجل شفائهم؟ أم أن نتذكّر تقصيرنا ونعيد التواصل مع الله في هذا الجانب وهو المتكفل حينها بالجزاء؟

-لا أتحدث هنا من ناحية فقهية فلستُ مختصة بذلك، وإن كنتُ قارئة كغيري في هذه المسائل، ولكني أفكر من أبعاد قيمية وجدانية أولا ثم من أبعاد فكرية.

-فوالله لو وقف أمامك ابنك عائداً إليك بعد أخطاء ارتكبها وجفاء وتقصير في تواصله معك، وجاءك يطلب منك الصفح والعفو لا من أجلك وإنما لتشتري له سيارة أو تؤدي له مطلباً هو يعلم أنه لن يحصل عليه منك وأنت غاضب، فلن تفرح بذلك وربما تؤتيه سؤله لأنك تعلم حاجته ولكنك حتماً لن تكون راض عن غاياته ونواياه، هذا والعلاقة هنا بين بشر فكيف حين تكون هذه النية مع رب البشر تعالى الله علواً كبيرا؟!

-ثم أننا حين نكثر من الاستغفار أو الصدقات أو الشكر أو أي عبادة قولية أو فعلية بنيّة الحصول على هدف دنيوي هل تساءلنا يوماً هل سنجني بهذا العمل وفق هذه النية الرفعة والجزاء العظيم في الدار الآخرة؟ ألسنا قد حصلنا على ما نريد في الدنيا؟ "فهجرته إلى ما هاجر إليه"

-عرف أن الكثير سينزعج من هذه الفكرة وسيحاول أن يثبت أنه لا مانع من طلب مرضاة الله وطلب منفعة دنيوية، وهنا سأقول بقلب محب "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" فنواياك لا يعلمها يقيناً إلا الله، لكن لا تغفل عن إخلاص النية وتصفيتها طلباً لمرضاته سبحانه. فبعض المسائل إن انقضت لا يمكن تصحيحها. ومالديك من هموم وكرب حتماً لن تتجه فيها إلا للرحمن الرحيم، ولكن توجه إليه بالدعاء والطلب بنية واضحة مشروعة فهذا سبيل نطمئن لسلامة مسلكه، لا أن تتحايل بتقديم طاعات وعبادات ظاهرها القربى الخالصة وباطنها الذي بِتْنا نعلنه تحقيق منفعة دنيوية صرفة.

لأرواحكم السلام ما بين الجُمعتَين..

هيفاء خيران..

Haifa.khairan@gmail.com


 4  0  5723
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    07-14-2015 11:09 صباحًا احلام :
    تسلم يدك وجزاك الله كل خير، فعلاً مقالك هذا كان تنبيه لي لتصحيح نيتي بالعبادات القوليه والفعليه، اسأل الله ان يجعلها بميزان حسناتك، بصراحه تعلمت منك كثير اشياء اطبقها بحياتي، من اول ماكنت طالبه عندك لين اللحظه هذي، الله يرفع قدرك دايما يارب بالدنيا والاخره..
  • #2
    06-27-2015 07:20 صباحًا ام خالد :
    * *أجمل كلام قرأته عن النيه *ﻻزم ننشغل برضا خالقنا فقط * وحتماً سيرضينا
    ﻻنه أكرم اﻻ كرمان*
  • #3
    06-26-2015 05:54 مساءً ابتسام الدمجاني :
    كلمات رائعه
    بارك الله فيك*
  • #4
    06-26-2015 05:52 مساءً ابتسام الدمجاني :
    بارك الله فيك*
    كلمات رائعه في الصميم*