• ×

12:24 مساءً , الإثنين 17 ديسمبر 2018

القوالب التكميلية للمقالات





المتثيقفون.!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كنت في إحدى الليالي ضيفاً على أحد الأصدقاء في منزله، وبعد أن عرّفني على بعض الموجودين وعرّفهم بي، تبادلنا أطراف الحديث في شتى المجالات، وأثناء ذلك قال أحد الأشخاص من الذين تبدو عليهم سيما الثقافة سائلاً صديقه عن اسم كتاب أدولف هتلر الذي ألف معظمه بالسجن، فلم يعرف صديقه الإجابة، ثم سأله سؤال أخر عن عدد دول المحور بالحرب العالمية الثانية، وأيضاً لم يجب ذلك الشخص عن السؤال، وهنا نظر ذلك الشخص المثقف لصديقه شزراً قائلاً له:( إلى متى وأنت تعيش حياتك في جهل ودون أن تتثقف، فهل يرضيك أن تكون جاهلاً نكرة بين المتعلمين، أخرج من جهلك يا رجل) .
في هذه الأثناء تملكني الغضب من قول هذا المتثيقف ومن كلماته التي أخجلت صديقه أمامنا، وللأمانة فهو صادق بكلامه بالنسبة للتثقف والحرص على التعلم، ولكن أسلوبه بغيض و مُنفر، فما كان من صديقه إلا أن أبتسم ابتسامة صفراوية وقال له:( تركت العلم لك ).
بالنسبة لهم فهم أصدقاء ويتقبلون رأيهم ببعض دون تحفظ، ولكنّي أمقت مثل هؤلاء المتثيقفون الذين يظنون أنهم ملكوا معارف الكون، وأُحيطوا بكل عِلمٍ خُبرا، وأنهم مُلِمون بكل فن وبكل علم، فهم يستخِفون بمن لا يجيب على أسئلتهم، وينسفون الرأي الأخر إذا خالف رأيهم ويتهمون الجميع بالجهل، وينبذون المعلومة التي لا تتوافق مع معلوماتهم حتى لو كانت معلوماتهم خاطئة أصلاً، ويشنعون على صاحبها، وإذا عرفوا معلومة جديدة تجدهم يسألون الذين حولهم عنها وكأنهم معلمين والبقية طلاب لديهم، ومن ثم يتم الهجوم والنعت بالجهل والتخلف على كل من لم يُجِب على ذلك السؤال!!! وأسئلتهم ليست للإفادة بل لاستعراض ثقافتهم والانقضاض على من لا يعرف ما يعرفونه وأيضاً للتظاهر بمظهر العالِم بكل فنون العلم والمعرفة،
فكل من لم يعرف إجابة أسئلتهم فهو جاهل ومتخلف ومضمحل الفكر!! وكل من يصحح معلوماتهم الخاطئة فهو عدوٌ مبين ويجب النيل منه بأقرب نقاش ثقافي والطعن بكل معلومة تأتي منه،
وكأن هؤلاء المتثيقفون هم معيار العلم ودرجة قياسه!!
نعود لذلك المتثيقف، وبعد أن ( غسل ) صديقه بتلك العبارات المجحفة، لم أستطع السكوت فقلت له:( لو سمحت يا أبا فلان، أراك بهذه الطريقة التي رأيناها منك أنك تجعل الناس يكرهون العلم والتعلم، فلو دمجت بين لين الكلام والإخلاص في طرح المعلومة دون اختبار أحد لكان أفضل وأجدى وأحب على النفس من طريقة الاختبار ومن بعدها السخرية والاتهام بالجهل لمن يخفق في اختبارك، فأنت بالتأكيد لست ملم بكل العلوم مهما كنت مثقفاً، فقد تبدع في علم وتجهل علوم أخرى، لذلك ما شعورك لو أتهمك شخص بأنك جاهل ومتخلف بعد عدم إجابتك عن سؤاله مثلاً عن اسم والد القائد القرطاجي هانيبال رغم أنك بارع بعلوم الحاسب مثلاً؟ أليس من الظلم أن يعاملك ذلك الشخص تماماً كما عاملت صديقك واتهمته بالجهل؟ فالعلم بحر مهما خضت به ومخرت عبابه فلن تحيط به كاملاً،
قال تعالى:{ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }.والبشر تختلف مستوياتهم الثقافية، فمن زاده الله علماً يجب عليه إفادة من دونه بالعلم بطيب نفس وحسن نية وإخلاص وتلطف بالقول وليس بالإحراج والاستفزاز، كي يتقبل المتلقي المعلومة دون جرح للمشاعر.
ذلك ما كان مني تجاه ذلك الشخص، وأما بقية المتثيقفين فأقول لهم: إن الثقافة بلا أخلاق هي اختلاق وإدعاء باطل بأنك مثقف فلست بالحقيقة إلا متطفل على الثقافة، وما علمك الذي تحمله إلا أسفاراً لا تستفيد ولا تُفيد منها، بل قد تكون سبباً لنفور الناس من الثقافة وبغضهم للمثقفين الحقيقيين، إن لم تُقيمك الثقافة ولم تُحسن أخلاقك فأنت لست جديراً بأن تُفيد الناس، لأن من لا أخلاق له لا قبول له، وإفادة الناس بالمعلومات لا تأتي بمثل هذه الأسئلة( المغرضة ) التي هدفها اختبار الشخص وسبر غوره وإحراجه ومن ثم اتهامه بالجهل، بل تأتي عبر تطبيق قاعدة [ لكل مقام مقال ]، فمثلاً إن كان الحديث عن الأمور الدينية فلا بأس من تمرير معلومة دينية تناسب الموضوع بشرط التأكد من صحتها، أو أن يكون الموضوع عن تاريخ الأندلس( مثلاً ) فتُثري الموضوع بالمعلومات ليستفيد الجميع دون اختبارهم وكشف عدم إلمامهم بهذا الموضوع مع تهميش علمهم وثقافتهم بعلوم أخرى، مع العلم أنه لا بأس من إطلاق الأسئلة ولكن عليك توجيهها للجميع وليس لشخص واحد أمام الجميع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوجه سؤاله لجميع الصحابة ليستفيد الجميع دون إحراج شخص معين بين الجموع كمثل ( أتدرون ما المفلس) و ( أتدرون ما الغيبة ) فالسؤال كان للجميع ليستفيد الجميع.
ومضة/ يقول العالم الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينج: ( أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة)، فهل يعلم المتثيقفون أنهم واهمون؟


جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.


 1  0  1283
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-25-2018 10:37 مساءً احمد مناحي :
    مقال جميل وليس بغريب عليك تقديم هذا الابداع وشكرآ