• ×

02:23 مساءً , الجمعة 16 نوفمبر 2018

القوالب التكميلية للمقالات





امرأةٌ ريفيّة.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط



كنساء الريف امرأة ممشوقة القوام ريانة العود، تلفح وجهها سمرة أخاذة .. حادة البصر، دقيقة الملامح
وقورة حذرة، لا تكثر الكلام ولا الابتسام، وتكاد لا تستقر في مكان واحد!
تجوب العالم بأسره وهي في متكأها، تعشق القراءة حتى النخاع، زارت بها عدة مدائن، وتحدثت إلى كثير من الأشخاص..
اطلاعها الواسع أثرى ملكاتها الأدبية؛ فأصبحت متحدثة لبقة ..
أبت أن تستقر في المدينة، فالريف وقُراه عشقها الأزلي..
يبدأ يومها باكرًا بقهوتها الماتعة التي يضج المكان بعبق رائحة بُنّها الساحرة، الممتزجة بإيحاءات الأصالة في "دلة" قهوتها العربية المميزة..
تمارس طقوسها الصباحية المعتادة بسرعة وخفة حبا في سويعات الصباح! فتارة تغرس شتلة، وتارة أخرى تفتح بيديها المعروقتين مجرى مائيًا صغيرًا كي تسقي إحدى الشجيرات..
معزوفتها شقشقة الطيور، وإلهامها حفيف أوراق الشجر المتناغم مع خرير مياه الساقية..

امرأة استثنائية في كل تفاصيلها، تجمع كثيرًا من المتناقضات، فليست تميل إلى ثرثرة النساء ولا تخضع إلى سلطة رجل.. اعتادت أن تعتمد على نفسها في كل شأنها..
تعيش وحيدة بعد وفاة والديها وسفر أخواتها لدواعي الدراسة، تؤمن بأن الحياة تكافؤ وتوافق بين روحين، فتحضر التضحية من أجل الآخر..

ذات ليل ألقت بجسدها على الأريكة تلتقط أنفاس فكرها وتستجلب ذكريات صباها.. يا لهذا العالم السمج!
إلى أين تمضي الأحلام؟!
كيف يمكننا أن نحيا كما نريد؟ لست بحاجة إلى شهادة دراسية لكي أحظى باحترام الآخرين، لا أفكر بالسفر جسدًا، يكفي أن أطوف العالم روحًا ولكن ..
من أين لي بثغر طفل يبتسم لي صباح مساء؟
سنوات العمر تطوى وما زلت أقف في محطة الانتظار ...

هزت رأسها وكأنها تنفضه مما علق به من خيوط يأس تكاد تكبلها ..
تنهدت بنفس عميق، ونهضت تجر أقدامها إلى حيث تجد نفسها، بين دفتي كتاب، ثم استغرقت فيه تبدد بحروفه ظلمة أسى وجدانها وقسوة آلام روحها المؤنبة..

تتوالى الأيام رتيبة على حنان، لا أحد يهتم لأمرها ولا تحمل هم أحد، برغم ما يجول في خاطرها من أفكار تغرسها في قلبها جارةً لها اعتادت أن تستعير منها بعض الكتب سألتها ذات لحظة صفاء: حنان .. إلى متى؟!
ليكون هذا السؤال كالفتيل الذي أشعل حمم البركان داخلها..

حنان .. إلى متى؟ الأيام تمضي والسنوات تطوى وربيع العمر يزحف نحو الخريف وأنت هنا حيث لا أحد .... تحدث نفسها: هل عليّ أن أتخلى عن مدينتي وأرحل؟ أليس هناك من أحد يهتف له قلبه أن حنان تختلف عن نساء القرية؟
هل تخيفهم طقوسي وتفاصيلي؟!
هل يتحتم عليها أن تؤمن بثرثرة النساء وتأكيدهن أن الرجل لا يميل قلبه إلى المرأة الذكية؟!!
لا بأس .. هي لن تتخلى عن مبادئها لأجل أن يأتيها أحدهم وكأنه فاتح بلاد ما وراء النهر .. ألم ينضج هذا المجتمع بعد، ويلق بجلبابه التعيس الذي يلتحف به أفكاره البائسة؟!

آه حنان! ولِمَ لا يكون غرورك هو حائط الصدّ لكل فارس يفكر في أن يجتازه؟!
تعلمت من والديها أن المجتمع لا يخطئ، بل أفراده من يصنع منه شماعة لإخفاقاتهم ..
هل أنت فاشلة يا حنان؟!
هنا فقط أدركت حنان أنها تملك القوة والشجاعة وكثيرًا من أمل..

أدركت أن الإنسان هو من ينثر الفرح متى شاء ويرسم الآمال متى أراد ..
ركلت حنان مقعدًا كان أمامها وهي تسير نحو مخدعها فانكفأ، فأطالت النظر إليه كيف لأحد أن يستفيد من مقعد مقلوب مالم يأت من يعيده سيرته الأولى ...؟!
إذن القلوب أولى أن نعيد لها نبضها وحيويتها، نتجاهل ما يريده الآخرون وننطلق إلى ما نريده نحن!
رفعت حنان كتفيها بما يشبه اللامبالاة وأخلدت للنوم وصراعها الداخلي مؤجل حتى إشعار آخر .
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.


 0  0  2185
التعليقات ( 0 )