• ×

12:28 صباحًا , الأحد 27 سبتمبر 2020

القوالب التكميلية للمقالات





ذات الضفائر القرمزية.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


تراها في تقلبات موج غاضب، لا تهتم لما قد يحدث، وأحيانا في مروج اللافندر تسابق فراشات بيضاء. لها عينان براقتان تحكي بهما قصصًا خيالية لا يعيشها سواها، خفيفة يكاد يحملها الهواء؛ لترتفع تشاهد العالم أسفلها، وثقيلة لا تحتملها الأرض التي تدرج عليها، تقابلك بابتسامة غامضة، سحر ينقلك إلى عالم غريب، قسماتها خليط من متناقضات، تحمل بين جنباتها روحًا ككتاب فلسفة، ما يفهم منه مستحيل هي حكاية فصولها لا رابط بينها سوى اسم بطلها.
فتاتنا تعشق المستحيل في صراع مميت مع نفسها التي لا تهدأ..
تحترف البحث عن غرائب الأشياء، وتدس أنفها بين دفات الكتب، وترمق بعينها ما يحدث في الفضاء تارة، وفي الأرض تارات.. دلفت غرفة تضم قطعأ من أثاث وأرففًا صَفت عليها كتبًا، أغلبها مهترئ ،يعلوه الغبار، حدقت بعينيها (وكأنها لا ترى) في كتاب لا ترى منه إلا خلفه.. استدار الكتاب بما يشبه الصرير، وبدت قسماته ذات حزن وناداها:
- هيييه إلام تنظرين؟
فغرت فاها دهشة !! كتاب يتحدث؟
واستطرد قبل أن تعي ما يدور حولها..
-أعياني البقاء هنا، وأتلف الغبار وريقاتي فهلا أحظى بمساعدتك؟
وبوجل مزق هدوء نفسها امتدت يدها المرتجفة إليه، وسحبته من الرف، وحين استقر بين كفيها نفض نفسه، وتنهد بعمق وقال لها بصوت يشبه حفيف أوراق الشجر: شكرًا لك، وبدا لها كأنه يبتسم..
سرت في جسدها قشعريرة لا تدري سرها.
أخوف هو أو سعادة أن وجدت من يحادثها، حاولت أن تتحدث واستعصى عليها النطق، وإذا به ينطق مجددا: اتمانعين من مرافقتي إياك خارج هذه الغرفة.
-وبالكاد ردت لا.
-حسنا هيا بنا.
حملت الكتاب بحذر وخوف وفرح مشاعر مضطربة ومتناقضة، ولكن هذا ما يناسبها، وخرجت نحو حديقة فيها كثير من شجر، واستقر بها المقام تحت إحداها تتفيأ ظلالها جلوسا.
احتارت كيف تبقي هذا الكتاب أتمسكه بين يديها أو تبقيه على الأرض وتحادثه؟!
وقبل أن تقرر قفز من بين راحتيها واحتلّ مكانا، يقابلها وجها لوجه..
حدقت فيه وأسئلة كثيرة تعصف برأسها؟
هل يتلبس الجانّ الكتب؟
كيف ينطق؟
وفيما هي تفكر إذ به يعود للحديث...
- هل جربت السفر خارج حدود العقل؟ صعقت من هول السؤال!!
ماذا تقصد بخارج حدود العقل يا هذا؟!!
- أعني هل سافرت بلا عقل إلى أماكن لن تريها أبدا؟
-مثل ماذا؟
- داخل رأسك مثلا؟
- داخل رأسي؟؟ هل أنت مجنون؟
- لا، لست مجنونا، ولكني كحقيبة مسافر في أيدي الآخرين، أحمل عنهم عبء ما لا يستطيعونه، وما لا يطيقونه.
- ماذا تعني؟ وقبل أن يسترسل في حديثه هبت نسائم باردة قلبت صفحاته جيئة وذهابا، وتدخلت هي لتمنع الفوضى، وفيما هي تحاول أن تعيد صفحاته ليكمل حديثه إذ بيد باردة تمسكها من الخلف وتهزها: هييييه أجننت يا فتاة؟؟
- رفعت رأسها: من؟ أمي؟!!!
- ماذا تفعلين هنا؟ وكيف لا تجيبين على النداء؟
- أي نداء يا أمي؟
- هل أنت متعبة؟
وتجس جبينها بيدها تتحقق من درجة حرارتها، وتمسك بيدها لتدخلا معا إلى المنزل، فتسحب كفها الصغيرة، وتنطلق لتعيد الكتاب إلى مكانه، وقبل أن تستدير عائدة استوقفها سؤاله:
-هل سأراك غدا؛ لنكمل حديثنا؟
أومأت براسها موافقة، وغادرت.
لم تنم ذات الضفائر، وتقلبت طويلا في فراشها تفكر في كتابها، وتتخيل قسماته وملامحه المنهكة بفعل التقادم والغبار، وكيف له أن يفكر!!
هل تتحدث الكتب؟
ليأتي عليها اليوم التالي، وقد نامت بلا شعور منها وكيف
تسللت بخفة حافية القدمين إلى حيث وضعته، وما إن اقتربت منه ويأتيها صوت عمييييق وهامس؛ ليطرح سؤالًا آخر، وكأن حديثهما لم ينقطع ليلة كاملة.
-هل سافرت عبر الزمن؟ يا لهذا الكتاب العجوز!!! كيف يفكر؟ وإلى أين يريد أن يصل؟ اتّكأت بظهرها على جدار مقابل، وعقدت يديها على صدرها، وفاجأته بالسؤال:
-كيف لك أن تسافر عبر الزمن؟
-كان ينتظر سؤالها، وقد سبر أغوار نفسها، وانتفض ونفض وريقاته المصفرة حتى تطاير بعض الغبار وقال بصوت عمييييق:
- تستطيعين السفر الآن إلى حقب زمنية صنع بها التاريخ سفرًا للماضي و... وقبل أن يستطرد قاطعته في دهشة آلآن؟ وعاد لحماسته الطفولية، وهو ينظر إليها مستمتعا بدهشتها وقال:
- نعم الآن حين تتناولين أحد هذه العقول التي رصت على الرف وأُهملت!!
- عقول عن أي شيء تتحدث يا هذا؟
- نعم إنها عقول أسلافكم حين استجلبوا أثمن ما لديهم، وكنزوها في وريقات، ترونها مجرد وريقات، وتجاهلتم أن وريقاتنا أقوى من قلوبكم، فأنتم تودعون فيها تصوركم المستقبلي وماضيكم، وآلامكم وأحلامكم وووو، وبدأت نبرة صوته العميق تخبو وتضعف حتى كاد أن يصمت، وتمتم: أنا لا اثق بكم، فعلاقتكم بنا وقتية برهة من الزمن، تتقاذفنا الأيدي، ثم ماذا؟ نختنق تحت أطنان من الغبار ...
-أنت تتحدث عن الكتب؟ كنت أنتظرك أن تحدثني كيف أسافر عبر الزمن!!!
- الكتاب يا صغيرتي سفينتك لخوض عباب سفر طويل متنوع سريع، تعبرين القارات وأنت في مكانك، تزورين الماضي، وتنطلقين منه للمستقبل ووسيلتك الكتاب ... قطع حديثه بشكل مفاجئ وقال
- هييه هل لديك أصدقاء؟
تجاهلت سؤاله، ولم ينتظر جوابها، وغرقا في صمت رهييييب كانت تنظر إليه، ولا تنظر إليه غارقة في عباب تساؤل عميق، كيف لهذا أن يتحدث؟
الستُ أنا من يهذي؟ لعلي فقدت عقلي!! وراودتها نفسها أن تلتقطه، وتنزع وريقاته المهترئة، وتذروها للرياح، وبينما هي سادرة في وساوسها انكفأ الكتاب، وسقط أرضا، وتطايرت ذرات الغبار من حوله... تقدمت إليه ببطء شديد، وجلست على قدميها تحدق به، هل ترفعه، وتنفض الغبار عنه أو تتركه، وتنهض لشأنها... شعرت للحظة أنها مرتبطة بهذا الكتاب، لا تريد أن تتركه، فقد تحدث إليها أكثر من أي شخص آخر، وأشرع لها نوافذ فسيحة من الأمل والجمال... أهوت بيدها إليه ترفعه ودون تحفظ أو حذر ضمته إلى صدرها كأنه طفلها الصغير...
أمومة في غير موعدها، فذات الضفائر القرمزية ما زالت تدرج في سنوات الصبا وبين جنباتها قلب طفلة غض... أيُّ علاقة تربطني بهذا، تسأل نفسها، وهي تقدم الكتاب من صدرها أمام عينيها، وتهزه، لِمَ تصمت الآن!! تحدث إليّ!! كنتَ تسألني عن الأصدقاء سأخبرك...
- تعودت أن أكون وحيدة، يكفي أن يكون لك تجربة واحدة فاشلة؛ لتتقدم إلى قلبك، وتطلب منه الكف عن العبث رغم استماتة العقل في تغيير القناعات... غيرك يراني بضفائري صغيرة لا تدرك...
هم لا يأبهون لما قد يمليه عليّ عقلي الذي قد يدفعني إلى الخروج على المألوف.... صمتت برهة تنتظر تعليقًا منه وهو لا يزال يتوسد كفيها في وداعة...
- هييييه لماذا لا تعبأ بي؟ هل أنت مثلهم؟ سأمزقك إربا إربا
اضطربت مشاعرها وبدأ تشنج عضلي يعمل بعنف في أناملها وهي تمسك بالكتاب، وتضغط بقوة، كأنها تعاقبه على فشلها وسوء اختيارها...
جثت على ركبتيها، وخفضت رأسها في تقلب عجيب، وعادت لتضم الكتاب، وسقطت من عينها دمعة...
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.


 0  0  8531
التعليقات ( 0 )