• ×

11:29 صباحًا , السبت 18 يناير 2020

القوالب التكميلية للمقالات





قلوب العمالة.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بعيدًا عن جميع الأقوال والأراء التي تتهم الأجانب في السعودية وبعيداً عن لغة التعميم الغير صحيحة التي ما أن يُرى عامل فاسد إلا تم تعميم فساده على جميع سكان دولته حتى وإن جاوز تعدادهم عشرات الملايين!! ومن المفترض أن من فسد منهم نقول له هذا فاسد، ومن صلح منهم نقول له هذا صالح دون أن نضيف إليه كل سكان دولته ليكونوا مثله، هكذا يكون معيار الحق في الحكم عليهم، ولأن أمتنع عن التصنيف والإتهام بالحكم عليهم وأنا سالم من ظلم احد منهم افضل من أن أكون قريب من الصواب في تصنيفهم وإتهامهم وأنا ظالم ولو لواحد منهم، وأنا مثلي كغيري أرى وأسمع وأقرأ عن التجاوزات المخيفة ( لبعض ) العمالة، وفسادهم المدمر للبلد بشتى المجالات، وعن أعمال مروعة تكاد لاتُصدق لضخامتها، ورغم ذلك أظن أنهم ليسوا سواء رغم كثرة الخَبَث، فلابد أن فيهم من يخاف الله، ويحسب لليوم الأخر ولابد أن يكون فيهم من عنده أمانة وصدق ودين، وإن قلّوا عدداً.

في هذا المقال لا أريد التعمق بقضية الحكم عليهم بقدر رغبتي في التطرق لقضية مشاعر الأغلبية منهم عاطفياً، وبعيداً عن صحة الإتهامات الموجهه لهم من عدمها أردت أن أخذ منحنى أخر بعيداً عن الطِباع الشخصية لهم والمختلفة بينهم ، لأطرق باب مشاعر قلبية قد تتفق قلوبهم على مكنوناتها وقد يجوز التعميم عليهم بها إذ لا إتهام بها ولا فرية فيها ولا ضرر شرعي يقتفيها. وهذه القضية هي مشاعر المغترب عن وطنه وأهله، والذي ضحى بسنوات عمره وبأوقات عائلته لجمع المال هرباً بنفسه وبعائلته من الفقر والجوع والأمراض وقد يكون أيضاً هرباً من الحروب، وكيف هي أيامه مع الشوق لأهله ولوطنه ومن الخوف عليهم من الفقر والجوع، مشاعر متضاربة تتعب القلب بلا شك، فتلك هي الغربة، ففي قسمات كل وجه مغترب تشاهده هناك قصص من الشوق والتوق وأحلام لا تنتهي بسرعة العودة للأهل والوطن وعيش بقية العمر بلم الشمل والهرب بعيداً عن شبح الجوع والفاقة، فالعائلة وطن بحد ذاتها ، فكيف بمن هاجر بعيداً عن وطن قلبه وقلب وطنه، فالبعد عن الوطن غربة والبعد عن الأهل غربة أشد وأنكى، فكيف بمن جمع الغربتين.

حينما يقاسي الشخص لحظات صعبة فأنة يستذكر في خضم هذه القسوة أجمل لحظاته سواء مع عائلته أو أصدقائه أو يتذكر في حينها أماكن يحبها أو أوقات كان يستمتع بها عزاءً ومواساةً لنفسه ليخفف وطأة هذه القساوة على نفسه لدرجة أنك قد تراه مبتسما ً في عز عنفوان هذه اللحظات القاسية، ولكن سرعان ما يعود لواقعه المرير وينكفأ على نفسه فيقطب جبينة وينفطر قلبة وتيأس نفسه وتهبط نبضات قلبة حرقةً على واقعة الذي يعانية وأن كان عاطفياً بشدة فلن تبخل عينيه على إرواء أهدابة إلى حد ضبابية الرؤية بالنسبة له وإغراق وجنتيه بوابل لا حيلة له بإقافه، وذلك ينطبق على أي أحد سواء كان صبوراً أو جزوعاً ، فالضعف والإستسلام في بعض المواقف هي من جبلة البشر، ومهما كان الشخص صلباً صلداً ذا رباطة جأش لا شك أن هناك لحظات تتوق نفسه لها ، كمثل الأب أو الأم حينما يشتاقون لأبنائهم الذي كبروا بعيداً عنهم ،فبعض الأباء لم يعيشوا كغيرهم من الأباء اللحظات الأولى لخطوات أطفالهم أو التعرض لشقاوتهم الجميلة أو لكلماتهم المضحكة في بداية نطقهم، ولم يستمتعوا بلحظاتهم الأبوية مع عائلتهم في مملكتهم الصغيرة إلا للحظات معدودة قياساً بسنين الغربة والبحث عن الرزق، فتراه حينما يرى أطفال الأخرين بالمهجر فيُشبّهُ له أنهم أطفاله فتراه يبتسم لهم برهةً قبل أن يصحوا من غفلته الأبوية ليعود لوحدته، وتراه بين فينةٍ وأخرى يلتفت بشوق لصوت طفل يشابه صوت إبنه، فيخجل منك حينما ترمقه بنظرة عادية يظن أنها أستنكارية منك لأنه تطفل بالنظر لطفلك، فيعود بعد تلك الإلتفاتة لواقعه المحزن بعد أن حاصره الشوق لأبنائه من كل حدبٍ وصوب كبطلٍ أصابه سهم في مقتل في بداية معركته، فتراه يفكر بترك وظيفته وطلب الرزق بالمهجر ليعود لوطنه وأبناءه وزوجته ولبيته ويعيش سعيداً بينهم ولكن تتحطم كل تلك الأفكار والأشواق على صخرة العوز والحاجة والفقر والجوع وقلة الحيلة في وطنه، فيعود ليستكمل معركته الخاسرة عاطفياً مع مشاعر الأبوة المتسلحة بالشوق والحب .

وكذلك الأم فأنها تذهب للغربة بلا قلب حيث تركت قلبها بأحضان أطفالها حين الوداع، وأتت لتعمل بجسدٍ خاوي من أي سعادة، وعقلٍ مشغول بلا تمهل بأطفالها، هل هم جياع أم أن لديهم كفاف يومهم،
وهل هم بأمان أم أن أحداً هناك يقسوا عليهم، وهل هم يقاسون الشوق لها كما تموت شوقاً إليهم، وهل ينامون جيداً ويلبسون حسناً، مسكينة هذه الأم العاملة أينما تذهب وأينما تولي وجهها فهي تتحدث مع قلبها وتعصرة قهراً بكثرة الأسئلة وإنعدام الأجوبة خوفاً على فلذات كبدها، فهي كأي أم تريد أن تضم أطفالها لصدرها وتقبلهم تماماً كما ترى الأمهات في محيطها يفعلن ذلك، فحينما ترى أماً تلاعب طفلها أمامها لا شك أن قلبها يذوب حنيناً لأطفالها وتتمنى لو أنها تطير ولو لثواني معدودات لوطنها لتعانق أطفالها وتشمهم وتقبلهم وتطمْئِن قلبها اللحوح عليهم ثم تعود للغربة لتقاسي ماتقاسية على مدار الساعة، ولكن هيهات هيهات فالجوع والفقر والفاقة في إنتظارها إن هي إستسلمت لمشاعر الأمومة وتركت وظيفتها وعادت قبل أن تجمع تلك الدراهم المعدودات لتسد بها حاجة بيتها وأطفالها ( حتى وإن كانوا كباراً بالعمر فالأبناء لايكبرون بعين الأم).

وذلك ينطبق على الجنسين ممن ليس متزوجاً منهم، فتجد أحدهم يذوب شوقاً لأبيه وأمه وأخوته وأصدقائه ولبيته وحارته وللحظات الأستقرار في كنف العائلة، والأسترخاء بلا هموم البعد عن الأهل والوطن، ويتوق ليعيش حياته مثل أي شخص في عمره بين لعب ولهو مع الأصدقاء وأن لا يثقل كاهله بهذا الحمل الثقيل، أي الغربة والعمل المتواصل في بداية حياته،

لذلك ومن منطلق تعاليم ديننا الحنيف يجب أن يكون تعاملنا معهم بلين ومحبة وليس بتعالي أو بجفاء، ليجدوا منا ما يعينهم على بؤس الغربة، وليس عيباً أن يكون الشخص هيناً ليناً معهم أو مع غيرهم من الناس دون ضعفٍ أو غفله، كما أوصى بذلك المصطفى ﷺ إذ قال:( ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟، تحرم على كل قريب هين لين سهل) .اخرجه الترمذي.
فبعض العمالة وبالأخص أصحاب المهن المتواضعة لا يبحثون إلا عمن يقدر ذاتهم ويجعل لهم قيمة إنسانية ويشعرون أنهم بشر مثلنا، وكأنهم يصرخون بصمت مستغيثين بمن يمر بجانبهم ( أن إِشعُر بنا ) لينتشلهم من الحضيض النفسي والمعنويات المسحوقة، فتجدهم يبادرون بإلقاء التحية عليك وغاية سعادتهم أن تكرمهم بالرد عليهم ليشعروا بتقدير الذات وبأنهم أستطاعوا أن يلفتوا إنتباهك لوجودهم بالحياة بدلاً من هامشها المظلم والكئيب، فلا تبخلوا عليهم بالمبادرة بالسلام والمصافحة والإبتسامة وإن تصدقت عليهم وجبرت بخاطرهم فهذا من تمام الخُلُق والنبل والكرم وتأكد أن ذلك لا يضيع عند الكريم سبحانه .

ومضة..
قبل مغادرة المغترب لوطنه، يود أطفاله أن لا يكون هناك طائرات ولا قطارات ولا بلدان غير قريتهم كي لا يسافر أحد والديهم ويبتعد عنهم ولو كان الثمن أن يموتوا جوعاً، بينما يموت الوالدين حزناً وألماً ويصرخون بصمت على فراق أطفالهم كي لايموتوا جوعاً ويشتاقون لهم حتى قبل فراقهم ، معادلة ثمنها حياة ، فأرحموا ضعيفهم يرحمكم الله.

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها فقط.


 1  0  1725
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم