• ×

05:48 مساءً , الجمعة 3 يوليو 2020

القوالب التكميلية للمقالات





غريق في لوحة.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الإبحار في عالم فن الرسم تماماً مثل الإبحار في خضم البحر، في البحر أينما تولي وجهك تشاهد الأمواج وتأسرك تلك المناظر وتقضي الأوقات الطوال في تأمل تكسراته تارة وسكونه تارة أخرى وتتنقل بين جهةٍ وأخرى مستمتعاً ومتأملاً ومُبْحِراً بخيالك، فعند مشاهدة الرسوم واللوحات تتنقل بين لوحة وأخرى دون ملل ودون شعور في مضي الوقت، فتغوص في أعماق اللوحة وكأنك تتجول في مناظر حية على أرض الواقع، وتصادف لوحات بها مناظر توقظ في خريف ذاكرتك أوقات سحيقة عفى عليها زمنٌ طويل وأندثرت بين مُستحدَث الذكريات، وسترى لوحات تستثير مخيلتك لتحل ألغاز فحواها ولتسكشف محتواها بين خربشات رسام يعرف ماذا يفعل بريشته ليستحوذ على حدة نظراتك ونباهة إنتباهك.

وهناك رسومات تحيي في داخلك ذكريات الطفولة حينما كانت أمتع أوقاتنا نقضيها في مشاهدة الرسوم المتحركة ذات الرسوم الكلاسيكية الجميلة فتجد بعض اللوحات تعيد عقارب ساعتك البيولوجية للخلف حيث الطفولة والبراءة والسلامة من ضغوطات الحياة، ولتخطف من أنفاسك تنهيدة تحمل ذكريات أشخاص رحلوا منذ زمن بعيد في قافلة المودعين لهذه الدنيا، بعد إرتباط شريط ذكرياتك بهم في ماضي السنون لتعيد تلك الرسومات أشخاص رافقوا طفولتك، وأماكن قد تغيرت وتبدلت وخَفَتَ بريقها وعجزت الذاكرة عن إستدلال طريقها، وبيوت أصبحت مهجورة بعد تفرق أهلها وتفردهم بمساكن خاصة لكل أحدٍ منهم، فأصبحت ذِكراها مؤطرة بإطار متهالك وبألوان خشبية باهتة بعد زهوها ووضوحها وبهجتها وكأنها تنطق مستغيثة خوفاً من النسيان وهي في نزعاتها الاخيرة لتكون رماداً مجهولاً لايُعرف أصله.

أعلم أنني قد خرجت عن موضوع فن الرسم وجرفتني الذكريات لدهاليز وأزقة بعيدة عن باحة الرسم ولكن ذلك ماتفعله تماماً بعض الرسومات، فهي تُخرِجك من واقعك الحالي لتغرق في أعماق النفس وتسبر أغوار الذكريات فتجد نفسك قد تركت الرسمة وذهبت بخيالك لعالم أخر بعيداً عنها تماماً، لتتفاجأ بعد عودتك من عالم الماضي أنك ممعن النظر بتلك الرسمة ولكنك سافرت عَجِلاً بسرعة الضوء لزمان ولى وأنقضى.

هناك بعض الرسومات ترفل جمالاً حتى وإن لم تفهم مغزى من رسمها فتراها غنية بالألوان التي تبهج النفس وتسر الناظر لجمالها وزهوها، وهناك أيضاً لوحات مجرد لمسها مباشرة دون حائل وتمرير أناملك عليها متعة، فتراك تجمع أحاسيسك بأناملك لتستمتع بنتوءات هذه الرسمه وتعرجاتها وكأنك مسافر فيها تعيش واقع تضاريسها وتسير بين منعرجاتها، وهناك رسومات قد تبدو عادية ولكن قد يجذبك جزء صغير من تفاصيلها وينتزع إعجابك ليجعلك ترى كل شيء فيها مذهل وتكتمل الصورة في عينك بسبب هذا الجزء الصغير لترى رسمه غاية بالروعة، وأيضاً هناك رسومات تُشغِل بالك فترة من الوقت بسبب أنها أستحضرت مشهداً في ذاكرتك إما من رواية قد قرأتها أو مسلسل قد شاهدته أو قصة قد سمعتها فكأنك تجد في تلك الرسمة شيئاً قد عاش في مخيلتك ردحاً من الزمن، فتجد نفسك غارقاً في ذكرى أجهدتك في إسترجاعها من بين ملايين المشاهد والخيالات التي تعصف في ذهنك وقد لاتسعفك ذاكرتك في إسترجاع ذلك المشهد ولكنك ستبقى تحب تلك الرسمة حتى وإن كنت تجهل السبب.

ومضه/
ليس بالضرورة أن يكون الرسام مشهوراً ليكون مبدعاً، هناك رسومات لم تتأطر لتكون لوحة عالمية بقيمة مليونية، أو لتزاحم بقية اللوحات في المعارض، ولكنها مجرد رسمات رائعة باقية على ورقة الرسام المغمور، وشاهدنا نماذج كثيرة في مواقع التواصل الإجتماعي وهي قمة بالإبداع والإتقان، فالإبداع ليس حكراً على أحد دون الأخر.

*الكاتب/ ماجد جديع العنزي
جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كاتبها فقط.


 1  0  2737
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    06-08-2020 09:34 صباحًا طلال العنزي :
    ابدعت ايها الرسام وارجو ان لاتتوقف عن الرسم