• ×

11:45 صباحًا , الجمعة 14 أغسطس 2020

القوالب التكميلية للمقالات





سياط التأنيب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لو كان هناك شعور خفي مدمر للذات الإنسانية، فلا أعتقد أن هناك أسوأ من شعور التأنيب، شعور ثقيل يطأطئ الرؤوس ويسلب الحرية ويكبّل المرء بقيود العجز والذل، المؤسف أننا كوالدين ومربين نتشارك في زرعه في نفوس أبنائنا منذ طفولتهم المبكرة ظناً منا أننا نربيهم على حياة الضمير ونقاء القلب. وسنمرّ سوياً على بعض محطات التأنيب لنتشارك تقييم أحوالنا.


-بداية التأنيب نزرعه في أطفالنا في المنزل، فكلما تضايقت الأم بدأت بتوجيه كلمات التأنيب لأطفالها" خسارة تعبي في حملكم وولادتكم، صحتي تدهورت ونفسيتي تعبت بسببكم، لولاكم ما صبرت على حياة الذل مع أبوكم....... " وتُكْمل مع والدهم هذا المسار المؤلم حين يبدأ هذا الطفل بالظهور للمجتمع "فشّلتنا، أحرجتنا، ما فيك خير، ايش يقولون الناس عنا" ولا يتوقف الوالدان في الكثير من الأسر عن التأنيب حتى بعد أن يتزوج أولادهم، فما إن يخرج الابن أو البنت مستقلاً بحياته بعد زواجه حتى تبدأ كلمات العتب واللوم له حتى وإن لم يكن مقصراً "نسيتنا، أهملتنا، زوجتك وأولادك أهم منا، تسفّرهم وتبسطهم وتتركنا ......"


-وليست المدرسة بأفضل حال من الأسرة، فاللوم والتأنيب القاسي لا ينتهي على أي سلوك خاطئ غير مقصود.


-وبالرغم من أن إسلامنا النقي يشجعنا على التحرر وسرعة المبادرة بالتوبة ليعود الفرد نقياً متطهراً من الذنوب، إلا أن طرحنا الوعظي الذي هو في الأساس انعكاس لواقعنا الاجتماعي يقوم على زرع تأنيب الضمير في النفوس واتهام المرء بقسوة القلب إن هو لم يستحضر ذنوبه ويحملها على أكتافه طوال الوقت حتى وإن تاب منها!


-يأتي بعدهم من نراهم مناضلين ورواداً للفكر أو الإعلام ليقضّوا مضجعك ويحرمونك راحة بالك بلومهم: "كيف تهنأ بالحياة وبلاد المسلمين تدمرت، والنساء ترمّلت، والأطفال تيتّموا، واخزياه ...... "


وهكذا نعيش ويعيش أبناؤنا أسرى لمشاعر التأنيب، ويصبح الخزي والعار واحتقار الذات سماً يسري في أجسادنا لا نعيه ولا ندرك عواقبه، مقتنعين أن ذلك دليل طهرنا ونقاء سريرتنا، متخذين منه وسيلة لتخدير أوجاعنا واستصغار ذواتنا،


ومن الطبيعي أن تكون مصلحة أي طرف متسلط أن يُبقي هذا الانسان المُؤنَّب في هذه الدائرة ليضمن سيطرته عليه وسهولة التحكم به، ولكننا هنا نجهل خطورة تخزين تأنيب الضمير في ذاكرة الفرد وماينشأ عن ذلك من أمراض جسدية واضطرابات نفسية قد تعيق المرء طوال حياته.


والاخطر من ذلك أن الأشخاص الممتلئين بمشاعر التأنيب عادة ما تتلقفهم الجماعات المتطرفة بكل سهولة، حيث تؤكد هذه الجماعات على أن الفرد قضى عمره ملوثاً وحان الوقت الآن ليتطهر ويضحي بحياته من أجل أهداف هذه الجماعات. وهذا في رأيي ما قد يًفسر سبب انضمام أو تعاطف بعض شبابنا الذين ارتكبوا أخطاء في الماضي للجماعات المتشددة التي تستطيع قيادتهم من هذا المدخل تحديداً.


هل يعني ذلك أن نرتكب الأخطاء ولا نبالي؟ طبعاً لا، ولكن يجب أن نفرق بين الندم على الذنب والعزم على عدم العودة إليه وبين تأنيب الضمير الملازم لنا وعدم مسامحة أنفسنا بالرغم من وعد الله بمغفرته بمجرد استغفارنا وتوبتنا.


يجب أن نقيّم أنفسنا بموضوعية في علاقاتنا مع آبائنا وأمهاتنا مع أزواجنا وأبنائنا هل نحن مقصرون معهم فعلاً؟ أم أن ما نواجهه من لوم وتأنيب منهم هو عادات سلوكية اعتادوا عليها وقد تُسهم في ظلمنا لأنفسنا ومن نعول إن انسقنا إليها دون وعي واتزان.


لم نُخلق لنكون أنانيين نسعى لسعادة أنفسنا وننفصل عن مجتمعنا وأمتنا، لكننا في الوقت ذاته نقدم ما نستطيع لنصرة الدين والوطن دون أن نرهق أنفسنا في حمل أعباء لا نطيقها تحرمنا من عيش حياة هانئة.


يجب أن نستيقظ ونسامح أنفسنا على كل أخطاء الماضي، ولا نسمح لأي مبتز بالمزايدة على إنسانيتنا وضمائرنا وعلاقتنا بربنا لمجرد أننا أخطأنا في يومٍ ما، فنحن بحاجة إلى بعض تجارب الحياة القاسية ليزداد نضجنا،


وحتى نخرج بفائدة عملية اليوم فلنتفق على مراقبة مصطلحات التأنيب واللوم والتوبيخ التي نستخدمها أو تأثرنا بها، لندرك كم من التأنيب يسكننا دون أن نشعر. ولنتشارك نتائج ما نلاحظه سوياً هنا.


لأرواحكم السلام ما بين الجُمعتَين..


هيفاء خيران..


Haifa.khairan@gmail.com


 8  0  6035
التعليقات ( 8 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    08-24-2015 09:12 مساءً ام فهد :
    كلام يلامس سماء الواقع احسنتي فكما اعتدنا عليك طرح جميل
    ام فهد الخيبري
  • #2
    08-22-2015 11:20 صباحًا حلا :
    كلام اكثر من رائع بارك الله فيك استاذه هيفاء
  • #3
    08-22-2015 03:32 صباحًا ابتسام الدمجاني :
    طرح رائع بارك الله فيك استاذه هيفاء
  • #4
    08-21-2015 06:34 مساءً واعية فكرياً :
    مقاله بمنتهى الوعي واكثر من رائعه ينقصنا الان التحرر .. اشكرك يارائعه وماتحملينه من فكر وقلم ..
  • #5
    08-21-2015 06:03 مساءً اميره الحسين :
    ان من اجمل ماينتهجه الانسان في سلوكه واسلوبه لكي يبدو بصوره اجمل ومفيده بنتائج مثمره ان ياخذ من تجارب الماضي وان لا نجعلها تانيب لاولادناونكون هينالينا كما جاء في الحديث النبوي يسرو ولا تعسرو ... ولكي عظيم تحياتي وشكري على مواضيعك الراقيه .
  • #6
    08-21-2015 05:15 مساءً رلا :
    كلام صحيح وتانيب الضمير وجلد الذات *ينشأ *اجيال *يسود فيها التوتر والقلق وعدم الثقة بالنفس *
  • #7
    08-21-2015 04:55 مساءً حسناء الشهري :
    كلام سليم ١٠٠٪*
    والأغلب منا للأسف يمارسه - إن حق لي القول - بشكل يومي للأسف !*
    ويستمر هذا الموال في التفريغ من شخص مسقط عليه لآخر ؛ حتى نحقق المثل الإنجليزي المشهور : من ركلَ القطة ؟!*
    سلم مدادك هيفاء
  • #8
    08-21-2015 03:57 مساءً ام خالد :
    تأنيب الضمير وجلد الذات اتوقع انها أهم أسباب الخوف والقلق والتوتر في حياتك*