• ×

04:02 مساءً , الثلاثاء 7 يوليو 2020

القوالب التكميلية للمقالات





نختلف ونبقى إخواناً

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في كتب الفقه يُطلق مصطلح "العامي" على كل من ليس بعالم دين، وبناء عليه فكاتبة هذه السطور وقرائها هم جميعاً من العامة وهذا ما يُسهّل علينا التفكر في حالنا نحن "العامة " عند اختلاف الفقهاء في الفتاوى – مع تحفظي على مدلولات المصطلح واستخداماته في هذه الأيام-وقبل أن نبدأ حديثنا فلنتذكر سوياً المنطلقات الأساسية التي يتفق عليها الفقهاء.

-وضع ابن القيم رحمه الله خمسة متغيرات كبرى تتغير بها الآراء الفقهية هي تغير "الأزمنة، الأمكنة، الأحوال، النيات، العوائد" أي أن الأصل في الفتوى هو التغير وليس الثبات.

-حين كتب اسحاق بن بهلول كتابا جاء به إلى الإمام أحمد بن حنبل يقول له: هذا كتاب سميته كتاب الاختلاف، فقال له أحمد: بل سمه كتاب السعة!

- طلب الخليفة أبو جعفر المنصور من الإمام مالك تأليف كتاب في*الفقه قائلا: "يا أبا عبد الله ضع الفقه ودوّن منه كتباً وتجنّب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، ...."

- للإمام الشاطبي رأي عظيم حيث يرى أن العامي لا يجوز له التقليد بأخذ الأسهل أو الأحوط دون أن يأخذ بآراء الفقهاء المتعددة ويُقيّمها في نفسه ثم يأخذ بالترجيح بينها!

-لا توجد مسألة فقهية قديمة أو معاصرة إلا واختلف في حكمها العلماء بما فيها مسائل الوضوء والصلاة.

إذن مالذي نريد أن نصل إليه؟

إذا اتفقنا على كل ما سبق، فإننا حتماً سنكون أمام عدة خيارات في أي الفتاوى نتبع وأيها نطمئن إليه، وهنا سننقسم إلى قسمين فبعضنا سيختار الأحوط -أي الرأي الذي يميل للتشدد -وهو ما وصف به منهج ابن عمر رضي الله عنه، والبعض الآخر سيختار الأيسر وهو ما وصِف به منهج ابن عباس رضي الله عنه، وفي الحالتين حريّ بنا أن تتسع صدورنا لحرية اختيار كل منا لطريقه، أليس الامام الشافعي رحمه الله يقول مُسترضياً أحد مخالفيه "ألا يسعنا أن نختلف ونبقى إخواناً"

لماذا أصبحنا نضيق ذرعاً ببعضنا وتزداد خلافاتنا ونحن أهل الدين الواحد والمذهب الواحد والبلد الواحد لمجرد أن أحدنا اختار الرأي الأحوط والثاني اختار الأيسر؟ وكلانا اتبع قول عالم أو إمام له رأيه المعتبر واقتنع به واطمأن أن يلقى الله عليه!

لماذا يرى مُتّبع الرأي الأحوط أن الآخر متحرراً مارقاً من الدين، متبّعاً للهوى متزندقاً، وهو الذي اختار طريقه متبعاً قوله صلى الله عليه وسلم (إن خير دينكم أيسره)!

لماذا ينكر وجود الاختلاف، ويرى نفسه أفضل منه ويدعي له بالهداية والصلاح في كل موقف وكأنه مرتكباً لكبيرة من الكبائر؟ لماذا كلما ناقشه في الأدلة وصحة الاستدلال غضب وبدأ يخوّفه بالآخرة ولقاء الله؟

لماذا يؤنبه ليس فقط على اختياره بل وعلى اعلانه لتبنيه للرأي الأيسر فهو يرى أنه بذلك يفتن بقية العامة وأنه يجب أن يمارس الازدواجية بين القول والفعل فلا يعلن عن أي رأي يدعو للتيسير ؟!

ولماذا يرى متّبع الأيسر أن الآخر مُتخلّفاً، متطرفاً وهو الذي لم يسلك هذا المسلك إلا اتقاء للشبهات؟! لماذا يجعله موضعاً للتندر والسخرية في كل موضع؟ بل والأهم من ذلك لماذا يتناقض مُتبع الرأي الأيسر ويستحي من مسلكه، ويرى أن أخاه المتبع للأحوط هو أفضل منه ويذعن مطأطئاً رأسه لتوبيخه له دون أن يُظهر اقتناعه وقناعته بسلامة المقصد والمسلك؟!

ختاماً ..

يجب أن ننتبه أننا في زمن أُريد لنا أن نُصبّ في قوالب جاهزة صممها البعض وفق أعرافه وتقاليده أو غاياته وأطّرها ببعض الأدلة للتضليل والتضييق، أو التحرر والانسلاخ من ثوابت الدين، وإذا بنا نعادي بعضنا ونُقصي أخوتنا ونخوّل أنفسنا الحُكم على تقوى واستقامة الخلق وفق سلوكيات ومظاهر محددة، متجاهلين مبادئ الدين السامية ومقاصده العظيمة.

لأرواحكم السلام ما بين الجُمعتَين..
هيفاء خيران..
Haifa.khairan@gmail.com


 5  0  6471
التعليقات ( 5 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    09-09-2015 01:04 صباحًا اميره الحسين :
    جمال مقالاتك من جمالك وتألقك شكرا على هذا المقال الرائع استاذه هيفاء
  • #2
    09-06-2015 08:51 صباحًا بنت الجهني :
    كلام راائع والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضيه مالم يكون الرأي في امر محرم عندها نقف ونحكم كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
  • #3
    09-04-2015 08:15 مساءً جمعه الكعبي :
    رائعة كعادتك أستاذتي تألقي والى الامام دائماً*
  • #4
    09-04-2015 01:52 مساءً سوسو :
    رائعة *كاعادتك يا هيوفه❤
    اضيف الى كلامك انو المجتمع كمان يحاسب الى غالبا ما يتبع الاحوط اذا في يوم اتبع الايسر او العكس يعني احنا محاسبين دائما *من غيرنا..ما ادري متى نتغير ونحاسب نفسنا قبل غيرنا ونتقبل بعض في كل حالاتنا المجتمع غالبا ما يرحم يا هيوفه حبيت المقال جدا رائ
  • #5
    09-04-2015 01:25 مساءً مها الصقر :
    اعتدنا الدين ولم نجعله يهذبنا.. < هذي مشكلتنا..
    *ابدعتي خيتي..*