• !

قائمة الموديولات

من رحاب مكة الى أفاق الاستراتيجية الاسلامية - اتفاقية مكة للدفاع المشترك انموذجا ناجحا -

من رحاب مكة الى أفاق الاستراتيجية الاسلامية - اتفاقية مكة للدفاع المشترك انموذجا ناجحا -
الدكتور ناصر محمد العبيدي 
اتفاقية مكة للدفاع المشترك أنموذجا ناجحا تقتضي سنّة الكون وحقائق التاريخ أن القوة ليست في الكثرة المشتتة، بل في الألفة والائتلاف، وأن الهوان لا يتسرب إلى الأمم إلا من شقوق الفرقة والشتات. لقد علمنا الدين الحنيف، وأكدت لنا التجارب الإنسانية، أن فضل الاجتماع لا يقتصر على كونه فضيلة أخلاقية أو أمنية روحية، بل هو ضرورة وجودية وركيزة أساسية لصيانة الأوطان وحفظ المقدرات؛ فاليد الواحدة لا تصفق والأمةالمتماسكة هي التي تصنع مجدها بيدها ولا تستجديه من غيرها مصداقا لقول لله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقوا ....) [آلِ عِمْرَانَ: 103]. ومصداقا لقول رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...» رواه مسلم.
إن الأمن لا يُستعار، والردع الحقيقي لا يُبنى بالكلام والشعارات، بل يولد من رحم التكاتف وتكامل القوى. وفي عالم تتكاثر فيه الأزمات وتتراجع فيه مركزية التحالفات التقليدية، أدركت الأمم أن الاعتماد الفردي الذاتي لم يعد كافياً، وأن التحديات الكبرى لا تواجهها الدول منفردة، وإنما تواجهها التحالفات الحكيمة، والشراكات المتوازنة، والرؤى البعيدة التي تنظر إلى المستقبل بثقة وتتجاوز الخلافات العارضة.
من هذا المنطلق، لم تكن الشراكة الاستراتيجية والاتفاق الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وجارتيها الشقيقتين—جمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية—حدثًا عابرًا أو استعراضًا سياسيًا مؤقتًا؛ بل هو امتداد طبيعي لتحولات عميقة في بنية الأمن الإقليمي، وتعبير جلي عن صيغة دفاعية براغماتية تتكامل فيها القدرات والخبرات.
فالسعودية، بما تمثله من ثقل روحي وسياسي وعسكري واقتصادي، وباكستان بعمقها العسكري الجسور وقدرتها الردعية الفريدة في جنوب آسيا، وتركيا بما تمتلكه من تجربة صناعية دفاعية صاعدة وموقع جيوسياسي محوري؛ يشكلون جميعًا نموذجًا للالتقاء القائم على توازن المصالح، والردع الجماعي المرن الذي يحمي السيادة ولا يورط الدول في حروب غير محسوبة. هذا التحالف الثلاثي لا يقدم نفسه بديلاً عن المنظومات العربية القائمة كجامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، بل يأتي كركيزة إضافية تدعم الاستقرار وتصون أمن المنطقة.إن هذا التكامل بين الثقل الروحي والعسكري والاقتصادي السعودي، والقدرة الردعية الباكستانية، والتطور الصناعي والعسكري التركي، يمثل ترجمة عملية لمفهوم الاجتماع والائتلاف. إنه تحالف لا يستهدف أحدًا، بل يقيم توازنًا يحمي السلام، ويؤسس لمرحلة تعتمد فيها الأمة على مقدراتها الذاتية لحفظ أمنها وصون سيادتها.إن المملكة العربية السعودية لم تجعل من مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاقيات فحسب، بل جعلتها عنوانًا للحوار، وجسرًا للتقارب، ومنصة لإطلاق المبادرات التي تنطلق من ثوابت الإسلام السمحة، وقيم الاعتدال، واحترام سيادة الدول، والعمل من أجل خير الشعوب. إن اتفاقية مكة ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة تستحق التأمل والبناء عليها؛ لأنها صدرت من مكة، وفي مكة يختلف المعنى، وتتعاظم الرسالة، ويكون للاتفاق بُعد روحي وسياسي وحضاري في آن واحد. ولعل الأيام المقبلة تثبت أن ما بدأ من رحاب البيت الحرام سيكون نواة لشراكات إسلامية أوسع، قوامها التعاون، واحترام السيادة، وتغليب الحكمة، وخدمة مصالح الشعوب، بما يعيد للعالم الإسلامي شيئًا من وحدته وقوته ومكانته.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والقيادة الحكيمة، ووفقها لكل ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وجعل مكة المكرمة دائمًة منارة للوحدة، ومنطلقًا للمبادرات التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتصنع مستقبلًا يليق بأمتنا العربية والإسلامية وتاريخها العريق.
كتبه أ.د. ناصر محمد العبيدي أستاذ الدراسات العليا وأستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة تبوك
بواسطة :
 0  0  10

الأعضاء

الأعضاء:1

الأعضاء الفعالون: 1

انضم حديثًا: Admin

المتواجدون الآن: 24

أكثر تواجد للأعضاء كان 1,088 ، يوم 07-25-2026 الساعة 10:01 صباحاً

( 0 عضو 24 زائر )

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.