• !

قائمة الموديولات

العلوم الانسانية ودورها في بناء الحضارات

العلوم الانسانية ودورها في بناء الحضارات
أ.د.ناصر محمد العبيدي 
الحمد الله القائل:" (وَقُلِ اعمَلوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ وَسَتُرَدّونَ إِلىٰ عٰلِمِ الغَيبِ وَالشَّهٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ) وصلى الله وسلم على نبيه محمد وبعد :
فالناظر الى تكامل العلوم وتجانسها والى مدى ترابطها وتلاحمها لن يخرج الا بانه لايمكن لعلم ما الانفراد بكل متطلبات الحياة .
اذ الحياة متنوعة ومختلفة المشارب والموارد،بل النفس البشرية بكل أطيافها وانواعها واختلاف امزجتها وطباعها ليست على حد سواء .
ومانسمعه من اجتهادات لبعض المؤسسات التعليمية في الحد أو التقليل من نصاب تدريس مايسمى بالعلوم الانسانية ،والتركيز والاهتمام على العلوم التي مخرجاتها تصب في مصلحة سوق العمل وخصوصا في زمن تتسارع فيه المنافسات العالمية لاستقطاب الخبرات العلمية والعملية والتي تسهم بشكل أو أخر في زيادة عجلة الانتاج وظهور القوة الاقتصادية وغيرها ولاشك ولاريب أن مواكبة الاحداث ومتابعة مايحدث من التغيرات والتقلبات وتحسين أداء سوق العمل وتحفيزه على المزيد من الانتاج لهو مطلب حق وصحيح ولهو تطبيق لما درسته تلك الخبرات العلمية والعملية.
الا ان هنالك ثمة خلط قد خفي على البعض وهو :توهم الفصل بين العلوم الانسانية وغيرها من العلوم وأن الاولى منها لايخدم سوق العمل بينما الثاني هو الذي يخدم سوق العمل .
أضف الى ذلك الخلط ، توهم ان الاشعاع المعرفي والاهتمام بالنفس البشرية ودواخلها وما تستمده من قيمها ومبادئها وماتتعلمه من السلوك والاداب منفصل تماما عما يتطلبه سوق العمل.
بينما الواقع يحدثنا انه الدافع الاكبر والمحرك الاساسي الذي تنطلق منه هذا النفس البشرية لكي تقوم باعمار الكون وحيازة اعلى مراتب الانتاج والطاقة.
فالتخصص في ذاته لا يفشل بقدر ما يفشل توظيفه أو تصميمه أو توقيته.
ولذا فان الناظر الى كبريات جامعات العالم يرى فيها اهتماما خاصة بالعلوم الانسانية بل أن الاساس الذي انطلقت منه الحضارات والثقافات كان مبتدأه واساسه العلوم الانسانية ففي العالم الغربي المهتم بسوق العمل نماذج "فمعهد كاليفورنيا التقني وجامعة كاليفورنيا بيركلي، لا تزال تحافظ على التخصصات الإنسانية والأدبية إلى جانب العلمية، مع التأكيد على أن مفهوم “الجامعة الوطنية” يفرض تنوع التخصصات لتكون مرجعًا علميًا وبحثيًا يخدم الدولة في مختلف القطاعات، وليس فقط سوق العمل المباشر.
وهاهم أكبر الساسة الغربيين ومفكريهم يعترفون أن من أهتموا اولا بالعلوم الانسانية ووضفوها حق التوظيف هم الذين قادوا العالم وبنوا حضارته.
قال الفيلسوف الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب " :
هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم ، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمئة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث ، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ ".
وقالت المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكة " - في كتابها المعروف " شمس الله تشرق على الغرب" - انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي :
"نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة ، ففي عام 891 م يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة ، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وزيد من الناس استعارة ما يشاء منها ، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد ، كما يجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم ، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية "
وقال تولستوي الحكيم الروسي :
" ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة ، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق ، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد ، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية ، وفتح لها طريق الرقي والمدنية ، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة ، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام " .
ويقول الكاتب البريطاني هـ.ج. ويلز في كتابه " معالم تاريخ الانسانية
"كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط ، ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنَّى سارت سوى دين الإسلام " انتهى .
ونهاية الامر وليس تقليلا من احتياجات سوق العمل مع ان العلوم الانسانية تصب في مصلحة سوق العمل.
نقول :
العلوم الانسانية تهتم بالانسان ودواخله والذي هو المنتج والمحرك لسوق العمل .
واما غيرها من العلوم فتهتم بمايصدر وينتجه الانسان .
ولن يكون هنالك انتاج الا بالانسان.
وكتبه أ.د.ناصر محمد العبيدي.
أستاذ الفقه المقارن بجامعة تبوك.
كلية الشريعة والقانون.
بواسطة :
 0  0  18

الأعضاء

الأعضاء:1

الأعضاء الفعالون: 1

انضم حديثًا: Admin

المتواجدون الآن: 16

أكثر تواجد للأعضاء كان 689 ، يوم 09-03-2025 الساعة 11:32 صباحاً

( 0 عضو 16 زائر )

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.